الثروة والثورة

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

تعامل النظام السوري مع المناطق التي ثارت عليه، بأن كل من يعيش فيها يستحق العقاب والموت، فهو استهدف البيوت والأبقار والأغنام والحمير والأشجار، بنفس الوحشية التي استهدف بها سكان تلك المناطق، وكأن الأمر قد التبس عليه، ولم يعد يفرق بين الثروة والثورة.. وكانت النتيجة، أن الثروة الحيوانية في سوريا، تراجعت بعد أقل من ثلاث سنوات من إنطلاق الثورة في العام 2011، إلى أكثر من النصف، ثم تسبب هذا الأمر فيما بعد بكارثة، لايزال الشعب السوري يعاني تبعاتها إلى اليوم، والمتمثلة بغلاء اللحوم والبيض وكافة مشتقات الحليب، إلى مستويات تفوق قدرته الشرائية بكثير.

النقص في قطيع الأبقار في سوريا هو الأخطر على الإطلاق، لأنه لا يمكن ترميمه محليا، ولا بد من استيراده من الأسواق الأوروبية على وجه الخصوص، وقد تنبه النظام لهذا الخطر في فترة مبكرة من العام 2017، بعد بيانات بدأت تشير إلى أن أعداد الثروة البقرية في سوريا انخفضت من نحو 6 مليون إلى أقل من مليون رأس، بينما حاليا تتحدث الأرقام عن أقل من نصف مليون رأس .. لذلك أول ما قام به النظام، هو إصدار مرسوم رئاسي بإعفاء الأبقار من الرسوم الجمركية لمدة خمس سنوات، أملا بإغرائها للقدوم والعيش في سوريا، إلا أن تلك المحاولة لم تفلح سوى باستيراد 15 ألف رأس، عبر تاجر لبناني مقرب من حزب الله، ليتبين لاحقا بأن هذه الأبقار كان مشكوكا بنسبها الهولندي، بسبب أن تكلفة طعامها أكبر بكثير من الحليب الذي تنتجه.

منذ أكثر من شهر يطلق مسؤولون في القطاع الحيواني التابع للنظام، تحذيرات بأن الثروة الحيوانية في سوريا معرضة لخطر الانقراض، وأن الأمر لا يحتمل سوى بضعة أشهر حتى تصبح الأسواق خالية تماما من اللحوم والحليب ومشتقاته، بالإضافة إلى الدجاج ومشتقاته من البيض، بينما تواجه السلطات السياسية هذه التحذيرات بالحديث عن الصعوبة في استيراد الأعلاف، بسبب الحصار الاقتصادي والعقوبات الأمريكية.

أما المشكلة الحقيقية وكما يشرحها أهل الاختصاص، أن ما تعرضت له الثروة الحيوانية في سوريا، لا يعود إلى ادعاءات النظام بتهريبها إلى أسواق الدول المجاورة من قبل أبناء المناطق الثائرة، وليس بسبب النقص في الأعلاف كما هي النغمة السائدة اليوم على وسائل الإعلام، وإنما جراء استهدافها المباشر بالرصاص من قبل قوات النظام، أو من خلال سرقتها وبيعها في أسواق اللحوم بسعر بخس، للاستفادة من ثمنها .. وكانت النتيجة أن الشعب السوري أصبح على أبواب كارثة صحية، تتحدث التقارير بأن هناك جيل كامل سوف يعاني من سوء التغذية، الأمر الذي سوف يؤثر على طاقاته الفكرية والإنتاجية.

باختصار، مصير الأبقار وباقي الحيوانات والحشرات في سوريا، لم يكن أحسن حالا من شعبها، فهو ترجمة فعلية للشعار القذر الذي رفعه هذا النظام المجرم: "الأسد أو نحرق البلد" .. بينما غاب عن ذهنه السؤال التالي: ما قيمة أن يحكم الأسد بلدا محروقا..؟!