التحرير الذي لم يصل إلى الخيام

مخيمات الشمال السوري دير بلوط والمحمدية خاص السوري اليوم
مخيمات الشمال السوري دير بلوط والمحمدية خاص السوري اليوم

في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، حين أُعلن عن يوم التحرير، بدا وكأن السوريين يقفون على عتبة زمن جديد، تُطوى فيه صفحة طويلة من القهر، وتُفتح أخرى عنوانها استعادة الدولة لمعناها، والإنسان لكرامته. غير أنّ هذا التحول المفصلي، بكل رمزيته السياسية والوطنية، لم ينعكس حتى اليوم على حياة آلاف السوريين الذين ما زالوا يقيمون في الخيام، خارج حسابات “ما بعد التحرير”، وكأنهم عالقون في زمن النزوح إلى أجل غير مسمى.

من بين هؤلاء، أبناء الجولان المهجّرون، الذين تتجاوز مأساتهم حدود النزوح الراهن إلى تاريخ طويل من الاقتلاع. فهؤلاء لم يغادروا بيوتهم مرة واحدة، بل مرتين: الأولى حين اقتُلِعوا من أرضهم في الجولان المحتل، والثانية حين وجدوا أنفسهم مجدداً خارج الاستقرار، موزعين على مخيمات الشمال السوري، في ظروف لا تليق بإنسان، ولا تنسجم مع أي خطاب عن دولة تستعيد عافيتها بعد التحرير.

المفارقة الصارخة أن أبناء الجولان، الذين وُصموا لعقود بصفة “النازحين” في جنوب دمشق، لم يكن نزوحهم خياراً ولا حالة طارئة، بل تحوّل في زمن سابق إلى عنوان سياسي استُخدم لتكريس سلطة حزب البعث، بينما دفعوا هم ثمن تلك المرحلة من أعمارهم وحقوقهم وحياتهم. واليوم، وبعد سقوط تلك السلطة، يجد هؤلاء أنفسهم مرة أخرى في الخيام، ولكن هذه المرة في شمال البلاد، في مشهد يعيد إنتاج المأساة ذاتها، دون مراجعة أو مساءلة أو حتى التفات جديّ.

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف يمكن لسوريين، بعد التحرير، أن يبقوا في الخيام؟ وكيف يُعقل أن تمر شهور على تحوّل سياسي كبير، دون أن تتبلور جهود حقيقية لمعالجة أوضاع مئات العائلات التي ما زالت تعيش تحت القماش، تواجه البرد والجوع وانعدام الأمان؟ ما الذي يمنع، حتى في حدوده الدنيا، من تفقد أوضاع هؤلاء، وإدراجهم ضمن أولويات الاستجابة الوطنية، بدل تركهم رهينة مبادرات فردية متقطعة لا ترقى إلى حجم الكارثة الإنسانية؟

إن بقاء المخيمات على حالها، بعد التحرير، لا يمكن تبريره بعجز الموارد وحده. فالمسألة هنا ليست فقط مالية أو لوجستية، بل تتصل بغياب رؤية واضحة للتعامل مع ملف النزوح الداخلي، باعتباره قضية سياسية ـ اجتماعية بقدر ما هو إنسانية. فالدولة التي تُعلن نهاية مرحلة وبداية أخرى، مطالبة بأن تُترجم ذلك عملياً من خلال سياسات ملموسة تضع الإنسان في صدارة الاهتمام.

أبناء الجولان في مخيمات إدلب وريف حلب الغربي يعيشون اليوم في خيام تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة. شتاء قاسٍ، انعدام شبه كامل لوسائل التدفئة، ارتفاع جنوني في أسعار المحروقات، وانقطاع للمساعدات الإغاثية التي كانت، رغم محدوديتها، تشكل شريان بقاء لكثير من العائلات. الأطفال والرضّع وكبار السن هم الأكثر تضرراً، في ظل غياب أي شبكات حماية صحية أو اجتماعية، وكأن معاناتهم مؤجلة إلى أجل غير معلوم.

الأكثر إيلاماً أن هذا الواقع يتزامن مع حديث متكرر عن مرحلة إعادة البناء، وعن الاسثتمار في الإنسان السوري بوصفه حجر الأساس في النهوض الوطني. فأي بناء يمكن أن يُقام، وأي مستقبل يُخطط له، بينما آلاف السوريين ما زالوا خارج السكن الآمن، محرومين من أبسط حقوقهم؟ وأي رسالة تُبعث حين يُترك المهجّرون في الخيام، دون خطة انتقال واضحة نحو مساكن مؤقتة على الأقل، تحفظ لهم كرامتهم، وتخفف عنهم وطأة الحياة القاسية؟

إن قضية أبناء الجولان ليست حالة معزولة، لكنها تحمل دلالة مضاعفة، لأنها تختزل مساراً طويلاً من الإهمال والتهميش. فهم أبناء أرض محتلة، ثم أبناء نزوح مزمن، ثم أبناء خيام في زمن يُفترض أنه زمن الخلاص. هذا التراكم من الخسارات لا يمكن التعامل معه كأمر واقع، ولا يجوز أن يُطوى بالصمت أو التجاهل، لأن الصمت هنا شراكة غير معلنة في استمرار المأساة.

ما يحتاجه أبناء الجولان، وسواهم من المهجّرين، ليس خطابات تعاطف موسمية، ولا وعوداً عامة بلا جداول زمنية، بل سياسة واضحة المعالم، تبدأ بحصر دقيق للأعداد والاحتياجات، وتنتقل إلى تأمين مساكن انتقالية في دمشق وريفها أو في أي مناطق تتوافر فيها شروط الحد الأدنى من الحياة الإنسانية، وصولاً إلى حلول دائمة تعيد الاعتبار لمعنى المواطنة والعدالة الاجتماعية.

إن التحرير، إن لم يصل إلى الخيام، يبقى ناقصاً. وإن لم يشعر به الأطفال الذين ينامون على أرض موحلة تحت قماش مهترئ، فهو مجرد إعلان سياسي بلا أثر إنساني. وحده الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجتها، ومن ترحيل الملفات إلى فتحها بجرأة ومسؤولية، كفيل بأن يجعل من الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 محطة حقيقية في تاريخ السوريين، لا مجرد تاريخ يُضاف إلى الذاكرة، بينما تستمر الخيام شاهدة على ما لم يتغير بعد.