بعد الإطاحة بالملكية الفرنسية عام 1789، شهدت فرنسا حالة من الاضطراب السياسي والاجتماعي، وانقساماً بين الفصائل الثورية، واصطفافات أدّت إلى تنامي الصراعات الداخلية وإقصاء الحالة الثورية، مما ساهم - بشكل أو بآخر - في ظهور الممارسات الاستبدادية، ومنها إلى الفساد السياسي والإداري، وبروز تيارات راديكالية رفعت شعارات ثورية كالعدالة والمساواة، لكنها قمعت كل معارض لها، وكمّمت الأفواه، ولم تسمح مطلقاً بالآراء المختلفة وحرية التعبير، ما أدى لاحقاً إلى ظهور الثورات المضادة، والفشل في تحقيق العدالة الاجتماعية.
إنّ أخطر ما تواجهه الشعوب، وما نواجهه نحن كشعوبٍ مضطهدة عانت الأمرّين من الأنظمة الدكتاتورية، هو توظيف القيم الدينية والأخلاقية للتغطية على الفساد والظلم والانتهاكات بكلّ أشكالها! لذا، حرصنا غير مرة على تقديم دور النقد البنّاء في مرحلة إعادة بناء الدولة، أو إعادة بناء عقد اجتماعي جديد يلائم مرحلة ما بعد الثورة، وما بعد الظلم والمجازر والمقابر الجماعية، وانتهاكات حقوق الإنسان وكرامته.
فلا يمكن لأي حكومة أو مؤسسة أن تعيش بمعزل عن الرقابة، إذ إنّ تراكم الأخطاء في غياب النقد هو ما يؤدي إلى الفساد الإداري، الذي لا يُفرّق بين الأنظمة أو الهيئات، فالفساد لا يملك وطناً، ولا يلتزم بمبادئ أو قيم. حتى في الهيئات الدينية أو التنظيمات التي يُفترض بها أن تُرسي العدالة وتدافع عن الحق، قد نجد أن الفساد الإداري يجد له موطئ قدم!
فهل هيئة تحرير الشام، التي حُلّت - مع تنظيمات وفصائل أخرى - وانضوت تحت وزارة الدفاع، أو غيرها من التنظيمات أو الهيئات، مهما كان اسمها، يمكن أن تكون بمنأى عن شبح الفساد والظلم!؟
لا يمكن لهذه المنظمات والتشكيلات، التي أنهكتها الفصائلية والاقتتال في مراحل سابقة، أن تكون محصّنة ضد الفساد، فكما أن الفساد يتسلل إلى أعتى الأنظمة والحكومات، فإنه يمكن أن يخترق أي جسم بشري أو إداري، حتى وإن كان يعمل في إطار دعوي أو سياسي. إذ إن الفاسد لا يحتاج إلى دين أو أخلاق لينتهك المبادئ!
فالفاسدون أشخاص بلا ضمير، بلا مبدأ، لا يراعون أي ميثاق أخلاقي أو عقائدي، بل يبحثون دائماً عن مصالحهم الشخصية، بعيداً عن مصلحة الأمة والمجتمع. لهذا، لا نزال نرى تصدّر الشخصيات المجرمة والموثقة وأذرع النظام السابق لتولي إدارات قضائية ومؤسسات، في حين أن مكانهم الطبيعي هو المحاكم العادلة!
إذن، لا بدّ أن يكون النقد سمة كل مواطن غيور على وطنه، وكل مسؤول حريص على خدمة شعبه، فمن دون النقد، لا يُمكن للأنظمة أن تصحّح مسارها، ولا للحكومات أن تفي بوعودها، ولا للمؤسسات أن تنجح في أداء رسالتها. فالنقد هو الحصن الواقي من الانزلاق في دروب الفساد، وهو الطريق المؤدي إلى الشفافية والعدالة.
وإذا أردنا أن نكون صرحاء، فإن الفساد الإداري لا يُميّز بين الكيانات، ولا يُفرّق بين الدعوة والسلطة، لأن الفاسد ليس له عقيدة ثابتة، ولا أخلاق راسخة، ولا دين يُرشد خطواته.