سقوط بشار الأسد؛ انهيار العمق الاستراتيجي للنظام الإيراني

خامنئي
خامنئي

بعد سقوط بشار الأسد، واجه النظام الإيراني أزمة استراتيجية عميقة ألقت بظلالها على سياساته الإقليمية ومحاولاته لتعزيز نفوذه. خطاب الولي الفقيه علي خامنئي بتاريخ 11 ديسمبر جاء ليواجه هذا الواقع الصعب، محاولًا تهدئة مخاوف قاعدته الشعبية وتبرير الفشل في حماية حليفهم السوري الرئيسي. ورغم محاولات التبرير والتصعيد الخطابي، يكشف المشهد عن أزمة غير مسبوقة تهدد أسس حكم النظام في الداخل والخارج.

في خطابه، وصف خامنئي الأحداث في سوريا بأنها “مؤامرة أمريكية صهيونية”، محاولًا صرف النظر عن الانتقادات الداخلية المتزايدة التي تطالب بإعادة تقييم السياسات الإقليمية المكلفة. قال خامنئي: “لا ينبغي أن يكون هناك شك في أن ما حدث في سوريا هو نتاج مؤامرة دبرتها الولايات المتحدة والنظام الصهيوني”. بهذا التصريح، تجاهل دور الشعب السوري في الإطاحة بالأسد، محاولًا تصوير الهزيمة كمجرد عقبة مؤقتة.

لكن الحقيقة أن سقوط الأسد يمثل انهيارًا للعمق الاستراتيجي الذي اعتمد عليه النظام الإيراني على مدار عقود. فقد كان الدعم الإيراني لنظام الأسد محورًا رئيسيًا لسياسات طهران الإقليمية، بما في ذلك دعم الميليشيات التابعة لها في لبنان والعراق واليمن. مع سقوط هذا العمق، يجد النظام نفسه مضطرًا لمواجهة تداعيات استراتيجية وسياسية كبرى.

الانتقادات داخل إيران ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر حدة بعد هذه الهزيمة. وسائل الإعلام الحكومية والمسؤولون السابقون بدأوا بالتساؤل عن جدوى التكاليف الباهظة التي تحملها الشعب الإيراني لدعم الأسد، بينما يرزح المواطن الإيراني تحت وطأة الأزمات الاقتصادية. التضخم، الفقر، البطالة، والانهيار الاقتصادي، كلها مظاهر تفضح عجز النظام عن تلبية احتياجات الشعب في الداخل.

رغم ذلك، اختار خامنئي مضاعفة خطابه العدائي، متجاهلًا التحذيرات الداخلية والخارجية. زعم أن “جبهة المقاومة” ستتعزز تحت الضغط، قائلاً: “كلما زاد الضغط، زادت قوتنا وانتشار مقاومتنا”. هذه التصريحات تعكس إنكارًا واضحًا للواقع الذي يعيشه النظام، حيث تؤكد التقارير أن سقوط الأسد أدى إلى تضاؤل النفوذ الإيراني في المنطقة بشكل كبير.

الخطاب تضمن أيضًا محاولة لتحويل اللوم عن الفشل إلى مسؤولين آخرين. أشار خامنئي إلى أن “وكالات الاستخبارات الإيرانية أصدرت تحذيرات مبكرة للنظام السوري”، ملمحًا إلى أن القيادة السورية لم تستجب لهذه التحذيرات. لكن هذا التصريح يسلط الضوء على الفوضى وضعف التنسيق بين الحلفاء، وهو ما ساهم بشكل مباشر في انهيار النظام السوري.

في الوقت نفسه، اتخذ النظام الإيراني خطوات لتعزيز قبضته على الداخل الإيراني من خلال زيادة القمع وتضييق الخناق على وسائل الإعلام المحلية والأجنبية. وصف خامنئي التغطية الإعلامية للأحداث بأنها “محاولة لزرع الخوف وزعزعة المعنويات”، مطالبًا بمزيد من الإجراءات ضد المنتقدين.

الرسائل التي حملها خطاب خامنئي لم تكن موجهة فقط إلى الداخل، بل كانت محاولة أيضًا لطمأنة الميليشيات التابعة لإيران في المنطقة. أشار إلى “الشباب الشجاع في سوريا”، متحدثًا عن “تحرير المناطق المحتلة وطرد أمريكا من المنطقة”. لكن مثل هذه الوعود تبدو بعيدة عن الواقع، حيث تواجه إيران تحديات متزايدة من قبل القوى الإقليمية والدولية.

النتيجة الواضحة لهذا المشهد أن سقوط الأسد ليس مجرد نكسة تكتيكية، بل هو مؤشر على فشل استراتيجية طهران الإقليمية برمتها. النظام الإيراني بات محاصرًا بأزمات داخلية وخارجية تجعل استمراره في نفس المسار السياسي مكلفًا وغير ممكن.

إن انهيار نفوذ إيران في سوريا يمثل بداية لمرحلة جديدة في المنطقة، حيث يمكن أن تؤدي هذه التغيرات إلى تعزيز الجهود الدولية والإقليمية للحد من التدخلات الإيرانية. وفي الداخل الإيراني، تتزايد الأصوات المطالبة بتغيير جذري للسياسات التي أرهقت الشعب الإيراني وأهدرت موارده.

في الختام، يظهر أن النظام الإيراني يواجه لحظة حاسمة في تاريخه. فبينما يحاول التمسك بمواقفه الإقليمية، تتزايد الضغوط الداخلية التي تهدد استقراره. الشعب الإيراني، الذي طالما عانى من سياسات النظام، قد يكون أقرب من أي وقت مضى لتحقيق تغييرات جذرية تعيد توجيه البلاد نحو مستقبل أكثر إشراقًا وعدالة.