أنا فلسطيني يا أبي

طفل فلسطيني يواجه جنود الاحتلال بعلم فلسطين
طفل فلسطيني يواجه جنود الاحتلال بعلم فلسطين


كنا في زمن بعيد كلما حلت ذكرى وعد بلفور ترانا في مدارسنا وجامعاتنا في سوريا نقلب الدنيا ولا نقعدها في دمشق والمدن السورية الأخرى.
كنا نرتدي ملابس “الفتوة” العسكرية ونتلقى دروسا عن الأسلحة وتدريبات على الرمي في حقول الرمي، بانتظار موعد تحرير فلسطين كما كان زعماؤنا الأشاوس يعدوننا.
اليوم أمام مشاهد اعتصامات الطلبة في جامعات أمريكية وأوروبية وأسترالية وكندية لنصرة الشعب الفلسطيني تتأجج هذه الذكرى بمرارة نهايتها منذ زمن، وحل الصمت الرهيب محلها.
نشاهد مئات الآلاف من الشعوب الأوروبية والأمريكية يجوبون الشوارع بهتاف واحد “حرروا فلسطين”، “أوقفوا إطلاق النار”، “إسرائيل ترتكب جرائم حرب وضد الإنسانية.
والتساؤل نقرأه على مواقع التواصل الاجتماعي من عديد الأفراد والكتاب ومن أجانب: أين هي الشعوب العربية؟
إحباط أم خوف؟
في الواقع لا يمكن أن نعمم إذ كان هناك بعض المظاهرات في تونس والمغرب وبالطبع في الأردن واليمن والعراق وموريتانيا، لكنها لا ترتقي إلى انتفاضة الشارع الأوروبي والأمريكي المفاجئة للجميع وكأن صعقا كهربائيا مس الضمائر التي كانت مخدرة “ببروباغندا” الصهيونية العالمية، فاكتشفت الحقيقة الفاقعة للظلم الذي تعرض له الفلسطينيون خلال قرن من الزمان، وزيف دولة الاحتلال وجرائمها ضد الإنسانية، وعنصريتها، وممارساتها الخارجة عن القوانين والأعراف.
ولذلك أسباب: ففي سوريا الشعب السوري، كما شعوب الربيع العربي جميعا، لم يخرج بعد من الجرح المفتوح بعد ثورته ضد نظام قتل وشرد أبناءه وحوله إلى شعب جائع يخشى الاعتقالات وأقبية المخابرات. هذا من ناحية، والإحباط الذي حل به بعد هزائم النظام أمام إسرائيل، وعدم الرد على كل اعتداءاتها المتكررة التي باتت كمشهد معتاد يثير السخط والسخرية في آن معا من ناحية أخرى.
ورغم أن هذا النظام يدعي “المقاومة والممانعة” إلا أنه تجاهل ما يقع في غزة مع أن حركة حماس عادت لفتح مكاتبها في دمشق، وفتح صفحة جديدة معه. لكن هناك أيضا خشية تهديد من رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو لبشار الأسد حسب وكالة فرانس بريس التي قالت: حسب دبلوماسي غربي أن الأسد تلقّى تحذيراً واضحاً من الإسرائيليين، أنه إذا ما استُخدمت سوريا ضدهم، فسوف يدمرون نظامه، وأن بشار الأسد يبتعد عن الواجهة، ويأمل “خصوصاً أن يحصل على مقابل لضبط النفس من العرب والغربيين”. وقال موقع “أكسيوس” الأمريكي أن الإمارات العربية المتحدة حذرت نظام الأسد من التدخل في حرب غزة”. الأمر لا يختلف كثيرا في دول الربيع العربي الأخرى: ليبيا منقسمة على نفسها والصراع قائم بين طرابلس وبنغازي، مع تدخلات عربية وخارجية. السودان منشغل في حرب طاحنة بين الجيش السوداني وقوات التدخل السريع، ومصر اكتفت بلعب دور الوسيط في المفاوضات، وحدها اليمن التي تشارك في حرب غزة عسكريا وشعبيا.
أما دول التطبيع فتتخذ مواقف الحياد السلبي تجاه ما يحدث في غزة ولا ترغب في تعكير صفو علاقاتها مع دولة الاحتلال يمكن أن تعود عليها بغضب وعقوبات الراعي والحامي الأمريكي.
وتبقى قطر الدولة الوحيدة التي تلعب دورا تفاوضيا مهما لإنهاء الحرب في غزة. والجزائر تلعب دورا سياسيا في مجلس الأمن.
أين المنظمات الدولية؟
تشترك الأنظمة العربية مجتمعة في منظمتين: الجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والأمم المتحدة، وجزئيا في منظمات أخرى كالاتحاد الافريقي، ودول عدم الانحياز، أو البريكس، وفيما بينها في تجمعات إقليمية كمجلس تعاون الخليج، والمغرب العربي، وتتشكل حسب الظروف محاور وتحالفات بينية غير مستدامة، كالحلف الذي ظهر مؤخرا بين ليبيا وتونس والجزائر، ومحور السعودية والإمارات ومصر، ومحور “القوس الشيعي” بين العراق وسوريا ولبنان المرتبط مع إيران، وجميعها معنية بما يقع في زلزال غزة وتتوخى ارتداداتها.
وفي مجملها لم تتمكن من فرض رؤيتها، أو تشكيل ورقة ضاغطة لإنهاء الحرب ووضع حد لجرائم الاحتلال. كون جميع المحاولات لم تخرج عن إطار “الأماني والآمال” والتنديدات الكلامية، فمؤتمر الرياض الذي عقد في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر وجمع 57 دولة عربية وإسلامية وأصدر بيانا ختاميا ملخصه:” ضرورة الوقف الفوريّ لإطلاق النار، وإدخال المساعدات لسكّان قطاع غزة، ورفض فكرة التّهجير نحو جنوب القطاع أو مصرَ- كما كانت تدعو حكومة الاحتلال- والتّأكيد على حقوق الشعب الفلسطينيّ، ومنها إقامة دولته المستقلّة”.
وأوصى بتشكيل لجنة وزارية تطوف في البلدان المؤثرة لشرح وجهة نظرها لكن رغم طواف اللجنة في أكثر من دولة فاعلة إلا أن أحدا لم يأخذ بعين الاعتبار هذه المطالب، وأولها أمريكا وإسرائيل، وهذا يعني ببساطة أن 57 دولة التي تعادل تقريبا ربع دول الأمم المتحدة لا تزن مثقال ذرة في ميزان هذه المنظمة الدولية، لسبب واحد هو انعدام الفعل والتأثير وعدم الخروج عن مربع الكلام والخطابة في مسألة جوهرية لا تمس الفلسطينيين فحسب بل كل العالم العربي والإسلامي، وانعكاساتها على العالم أجمع وهذا ما نشاهده بأم أعيننا اليوم في كل مكان.
الجامعة العربية
وقد صدرت بيانات مماثلة أخرى من الجامعة العربية، ومجلس تعاون الخليج فيها المطالب نفسها ولكن أيضا التزمت مربع الكلام والحلقة المفرغة المتمثلة بالإدانات فقط دون إجراءات عملية.
وبالطبع لا أحد يدعو أي طرف للدخول في مواجهات مسلحة مع دولة الاحتلال من شأنها أن توسع رقعة الحرب التي ستستدعي تدخل أمريكا ودول أخرى، وتقلب الأمور رأسا على عقب، و”من يشعل الحرب لا يأمن عواقبها” (ما عدا إيران والميليشيات التابعة لها، وهجوم إيران بالصواريخ والمسيرات على إسرائيل لم يكن دفاعا عن غزة وإنما دفاعا عن نفسها من الضربات التي تتلقاها على مراكز وجودها في سوريا وآخرها قصف قنصليتها في دمشق ومقتل قادة عسكريين فيها ).
في يوم واحد أعلنت تركيا عن الانضمام إلى جنوب افريقيا في دعوتها ضد إسرائيل لمحكمة العدل الدولية، وقطعت علاقاتها التجارية مع دولة الاحتلال، وتقدمت أندونيسيا بشكوى منفصلة لمحكمة العدل الدولية، وقام الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل بسبب تصرفاتها في غزة.
وقالت محكمة العدل الدولية إن كولومبيا طلبت منها السماح لها بالتدخل في قضية جنوب افريقيا التي تتهم فيها إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة، وكانت نيكاراغوا قد انضمت إلى جنوب افريقيا في الدعوى ضد إسرائيل أيضا، في حين لم تنضم أي دولة عربية لجنوب افريقيا في دعواها ضد إسرائيل، فقط و”لرفع العتب”أعلنت الجامعة العربية عن دعمها للدعوى. كما أن حتى دولة عربية واحدة من نادي المطبعين قطعت علاقاتها مع إسرائيل، أو استدعت سفيرها من تل الربيع على أقل تقدير، أو لوحت بتجميد اتفاقية التطبيع، أو لوحت بوقف التعامل التجاري والاقتصادي، أو هددت بتخفيض انتاج النفط لرفع أسعار البرميل مقابل التسريع بفرض وقف إطلاق النار، وبناء الدولة الفلسطينية، بلغة أخرى رفضت الأنظمة العربية استغلال سيف القانون لنصرة الأخوة الفلسطينيين.
لقد قال الرئيس اردوغان “لا يمكن عزل تركيا عن إخوانها في غزة وسائر المدن الفلسطينية” وقال الرئيس الكولومبي بيترو:” إذا ماتت فلسطين ماتت الإنسانية، ولا يمكن لها أن تقف إلى جانب “الإبادة الجماعية” ويجب الحفاظ على القانون الدولي لوقف الهمجية الإسرائيلية “.
وفلسطين تقول اليوم:” أنا فلسطين يا أبي أبناء العم وصهاينة العالم اغتصبوني، وإخوتي تخلوا عني”.
كاتب سوري