(عن القدس العربي)
أعلنت وزارة الإعلام السورية عن إنجاز مدونة السلوك الإعلامي في 15 فبراير 2026 شارك فيها مئات المهتمين بشأن الإعلام والصحافيين، تحت إشراف وزارة الإعلام، التي اعتبرت هذا الإنجاز خطوة غير مسبوقة نحو حرية الإعلام والرأي والتعبير في سوريا، ومع ذلك أثارت هذه المدونة ردود فعل مختلفة بين مؤيد ومنتقد لها. وهنا لابد من إلقاء الضوء وتوضيح المشهد الإعلامي السوري مع عودة إلى النشأة وانتهاء بالمدونة.
لم تعرف سوريا بداية ما يسمى «الصحيفة» أو «الجريدة» إلا عام 1865 حيث أصدر حاكم ولاية سورية العثماني، أول صحيفة أسبوعية باسم «سوريا» وكانت متأخرة عن أول صحيفة مصرية «الوقائع المصرية»، التي أنشأها محمد علي في عام 1827. (وهذا يعني أن الصحافة العربية نشأت رسمية). لكن فيما بعد انتشرت الصحافة الخاصة، فكان منها ما يناوئ الباب العالي، الذي اضطر إلى وضع «مدونة سلوك» تحظر على الصحافيين استخدام قاموس من الكلمات مثل (ثورة، انفجار، جمهورية، حرية، استقلال.. وسواها) وأرفقت بمدونة «عقوبات» لكل مخالفة كانت، إما بإغلاق الصحيفة، أو بكل بساطة إرسال جهاز أمني يرفع الصحافي المخالف «فلقة»(أي الجلد على القدمين)، أو الاغتيال كما حصل مع صاحب «طبائع الاستبداد» عبد الرحمن الكواكبي الذي هرب من «الفلقة» إلى مصر فاغتيل هناك بالسم. لم يكن الأمر أفضل بكثير بعد سقوط السلطنة العثمانية، والانتداب الفرنسي، الذي مارس قمعا لحرية الصحافة أيضا بوسائله المختلفة من منع وإغلاق صحف واعتقال صحافيين.
هناك جهود وتحديات كبيرة يجب أن تبذل ليمكن لسوريا أن تقول بفخر أنها وصلت لمستويات متقدمة بين الدول الديمقراطية الضامنة للإعلام الحر، وحرية الرأي والتعبير
ومع بداية الاستقلال عام 1946 أخذ النظام السياسي التعددي منحى الإعلام الحر، فنشأت صحافة الأحزاب (لكل حزب كانت له صحيفة)، وبعض الصحف المستقلة، حيث تم إلغاء التشريع الإعلامي المطبق خلال فترة الانتداب. قانون المطبوعات رقم 24 الصادر عام 1946 الذي جرى تبديله عام 1949 بالقانون رقم 35 مع تعديلات جديدة رفعت القيود عن إصدار وتملك الصحف التي ازدهرت خلال فترة ما قبل إعلان الوحدة المصرية السورية، وشهدت هذه الفترة ولادة وسيلة إعلامية جديدة: الإذاعة التي ألحقت بمؤسسة البريد والبرق والهاتف ولم تبرز أهميتها، إلا بعد الانقلابات العسكرية التي كانت تبث منها بعد الاستيلاء عليها بلاغ رقم واحد وكانت هذه الفترة من الفترات الذهبية لحرية الصحافة في ظل نظام برلماني حر وضامن للحريات. مع فترة الوحدة السورية المصرية تم التضييق على الصحافة واقتصرت على صحافة الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي) وأغلقت جميع الصحف الخاصة، وشهدت هذه الفترة ولادة وسيلة إعلامية جديدة: التلفزيون (1960) التي انضوت بدورها تحت سلطة الدولة المطلقة، وكانت مرحلة تم خلالها خنق الحريات بشكل عام والرأي والتعبير بشكل خاص.
ومع فترة الانفصال جرت محاولة إعادة حرية الصحافة، وإحداث وزارة خاصة بالإعلام حسب المرسوم التشريعي رقم 186 لعام 1961، وكان مصطفى البارودي أول وزير إعلام سوري (معظم حكومات الدول الديمقراطية لا تتضمن وزارة إعلام ) هذه الفترة لم تستمر سوى عامين، لتدخل بعدها سوريا سياسيا وإعلاميا وأمنيا في نفق طويل مظلم تسيطر عليه صحافة «الحزب القائد» ولا شيء سواها يؤكده قانون المطبوعات الصادر في (1970-2000) بإحكام القبضة الأمنية على الصحافة والكتاب (صدرت في تلك الفترة ثلاثة صحف البعث، والثورة، وتشرين وكان أفضل ما فيها تشابه خطابها الذي يمجد الطاغية، وأنها تقرأ بدقيقة)، ثم صدر قانون رقم 31 لعام 1971 الذي أخضع المؤلفات لرقابة اتحاد الكتاب، ومنع أي دعوة للإصلاح الدستوري أو السياسي، وإن سمحت فترة حكم المخلوع بشار الأسد بظهور صحف، أو قنوات إذاعية وتلفزيونية جديدة حسب المرسوم التشريعي رقم 50 ثم قانون الإعلام رقم 108 لعام 2011 إلا أن جميعها كان يسير ضمن التيار العام المسيطر، ولا صوت يعلو فوق صوت السلطة المطلقة.
أحدث سقوط النظام المدوي في الثامن من أكتوبر هزة سياسية وأمنية وصدمة عنيفة جدا، استفاق فيها الشعب السوري من كبوته الطويلة مترنحا، مع تفكك مكونات أقلية عرقية وطائفية سعت لاستقلاليتها، عن الأكثرية وتجزئة سوريا، فأحدثت فوضى سياسية وأمنية واجهت السلطة الجديدة، التي حاولت احتواءها بحكمة وحنكة كأولوية ملحة للحفاظ على الوحدة الجغرافية والمجتمعية في الدولة الجديدة، فالشق السياسي في البناء الجديد لم يستقر بعد إذ ما زالت الدولة لا تسيطر على كل الجغرافيا السورية، خاصة أنها تواجه اعتداءات متكررة من دولة الاحتلال والتوغل في الأراضي السورية، ولم يصدر إلى الآن أي مرسوم تشريعي بإنشاء أحزاب سياسية، أو مؤسسات مجتمع مدني. أما الشق الإعلامي فلم يختلف عن الشق السياسي فكانت البدايات مضطربة، وغير حاضرة في المشهد السوري المتحول، الذي يواجه تحديات كبيرة ومتعددة (اقتصادية، وسياسية، وأمنية). والخطأ كان أصلا من المجلس الوطني، والائتلاف الوطني اللذين أغفلا تماما الجانب الإعلامي ولم يؤسسا صوتا للثورة، (اعتمدا على وسيلة إعلامية خاصة تصدر في الإمارات أغلقت أبوابها سريعا بعد تعويم النظام السابق من قبل الجامعة العربية). لكن النظام الجديد كان لابد له أن يعمل سريعا على ملء الفراغ الإعلامي الهائل فأطلق صحيفة «الثورة» السورية، وقناة تلفزيونية جديدة «الإخبارية» ثم قناة «السورية» (قناة متنوعة)، مع تحديث الإذاعة السورية. ووكالة الأنباء السورية (سانا). لكن لم يصدر إلى اليوم أي مرسوم تشريعي، أو قانون مطبوعات يؤطر العمل الإعلامي ضمن أطر تضمن حرية الصحافة والرأي والتعبير حسب الدستور في المادة رقم 13(تكفل الدولة حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة).
وصفت وزارة الإعلام السورية المدونة التي أطلقتها بوصفها (وثيقة تنظّم الممارسة الصحافية وتضع معايير مهنية وأخلاقية للعمل الإعلامي في سوريا) وأنها معتمدة من قبل الوزارة، وهي وثيقة «استرشادية» في حل أي نزاع. وأن هذه المدونة كانت ضرورية، إذ لم تتقدم أي مؤسسة إعلامية بمدونتها الخاصة في السلوك المهني. وقد عملت المدونة على لم شمل كل الوسائل الجديدة للإعلام بتعريفها (المواطن الصحافي، صانع محتوى، مؤثر)، التي لم تكن مشمولة في المشهد الإعلامي سابقا. وتطرقت للسلم الأهلي وخطاب الكراهية وحدود النقد. هذه المدونة التي لا يمكننا أن نعتبرها هيكلا تنظيميا بقدر ماهي مزيج من اجتهادات مشتركة من السلطة وجمع من صحافيين وإعلاميين (لم يتضح كيف تم اختيارهم وطريقة وصولهم للمشاركة، إذ تم رصد مشاركة صناع محتوى اتهموا بالتحريض والترويج لخطاب طائفي، في ظل إقصاء كبير لصحافيين وخبراء مشهود لهم بخبرات طويلة في مجال الإعلام لم تتم دعوتهم، وتكبدوا الكثير من الأخطار والملاحقات في ظل النظام البائد، كونهم كانوا صوتا معارضا شرسا ضد هذا النظام)، كما أن رابطة الصحافيين السوريين التي عارضت المدونة في بيان لها، كانت سابقا قد عملت مع كل الفعاليات الإعلامية السورية المعارضة في الخارج، على صياغة «ميثاق الشرف الإعلامي» والذي كان بمثابة خطوة نوعية متقدمة نحو صون حرية الصحافة وحقوق الصحافيين ضمن معايير أخلاقية دولية للمهنة، والذي لم تقم لجنة المدونة بالاطلاع عليه أو حتى الإشارة إليه، أو دعوة القائمين عليه أو تضمين بعض بنوده في المدونة. ومهما يكن من أن هذه المدونة تعتبر كمحاولة أولى في النظام الجديد في إرساء نظم إعلام حر وملتزم بمواد المدونة، إلا أن التنظيم الذاتي للإعلام هو الأساس في الأنظمة الديمقراطية والذي ينبع من نقابات وجمعيات مهنية مستقلة، ومن جانب السلطة وضع الإطار القانوني الضامن للحريات، واستقلال الإعلام، ومعالجة الجرائم، دون وضع عراقيل قانونية تحد من حريته وانتشاره، أو النكوص في تعهداتها (كوضع شروط تعجيزية للترخيص إذ يرى بعض القائمين على مواقع الكترونية أو وسائل إعلام أخرى مثلا بأن شروط الترخيص المتبعة حاليا مجحفة بسبب الرسوم المالية الكبيرة، وكون ضرورة تجديد الترخيص كل خمس سنوات) وهذا بحد ذاته يحد من الانتشار الإعلامي الحر، ويهدد بتقييد الترخيص بوسيلة ما. في مؤشر حرية الصحافة لـ»مراسلون بلا حدود» فإن موقع سوريا على المؤشر لم يتقدم سوى نقطتين هذا العام وتحتل المركز 177 من أصل 180 حاليا. وهذا أكبر دليل على أن هناك جهودا وتحديات كبيرة يجب أن تبذل ليمكن لسوريا أن تقول بفخر أنها وصلت لمستويات متقدمة بين الدول الديمقراطية الضامنة للإعلام الحر، وحرية الرأي والتعبير.
كاتب سوري