أذكر عندما دخلت مطار طهران في العام 2003 وكانت الحشود العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط تتهيأ لغزو العراق، أني رأيت لافتة كبيرة على واجهة مدخل المطار كتب عليها بالفارسية:"مرك بر أمريكا، مرك بر إسرائيل" (الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل)، وفي طهران لافتات كبيرة أيضا تلعن أمريكا، وتلعن إسرائيل. لكن الواقع كان شيئا آخر، ففي تصريحات أخيرة للرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد قال فيها:" إن إيران ساعدت الولايات المتحدة في غزو أفغانستان، ثم في غزو العراق وإسقاط نظام حكم صدام حسين، مشيراً إلى أنه رغم ذلك، اعتبرنا الرئيس الأميركي السابق جورج بوش “محور الشر". ويبدو أن احمدي نجاد، وساسة إيران أخطأوا في فهم السياسات الأمريكية، أو أنهم فشلوا في دراسة تاريخ العلاقات الأمريكية مع حلفائها، أو الدول الداعمة لسياساتها. ونسوا أن وصول علي خامنئي إلى الحكم كان برضى أمريكي ودعم غربي بشكل عام ضد حليف أمريكا الأول في الشرق الأوسط (بعد إسرائيل)، شاه إيران لأن َ"مصالح أمريكا أولا". وتغاضوا أيضا عن حقيقة أن الهجوم على العراق هو من أجل إسقاط نظام صدام الذي لم يكن يعادي أمريكا فعليا تحت شعار امتلاكه لأسلحة دمار شامل الكاذب، لكن "مصالح أمريكا أولا"، واعتقد نظام الملالي أن مساعدة واشنطن في اسقاط النظامين العراقي والأفغاني سيفتح أبواب البيت الأبيض أمامه. وفي واقع الأمر أن إيران تمددت بالفعل في العراق عبر شيعة العراق، وفي أفغانستان عبر شيعة الهزارا، ثم أكملت زحفها إلى سوريا لتنجد نظام المخلوع المهتريء، ولبنان عبر حزب الله، واليمن عبر شيعة الحوثيين، وحاولت استغلال شيعة البحرين في قلب نظام الحكم لكنها فشلت أمام التدخل السعودي، واليوم تتجرع إيران كأس المرارة التي تجرعتها كل الأنظمة التي حالفت أمريكا، ويكفي أن نرى سياسية دونالد ترامب الحالية التي تخلى فيها عن الاتحاد الأوربي أول حليف لواشنطن في حلف الناتو تحت شعار:"أمريكا أولا". فمن يسير في رمال أمريكا يجب أن يعرف مسبقا أنها متحركة حسب مسارات الرياح السياسية والاقتصادية، فلا اعتبار سوى اعتبار المصالح، وفي ساعة الصفر "طز" في أفضل حليف. هذه هي أمريكا وتاريخ العلاقات الأمريكية مع دول العالم. اليوم نشهد حشودا أمريكية تفوق الحشود التي كانت زمن إسقاط نظام صدام، وهي في أهبة الاستعداد للانقضاض على النظام الإيراني، كما انقضت عليه وعلى مشروعه النووي في "حرب 12 يوما"، هذا النظام الذي ساعدها في العراق وأفغانستان، فعجلة الزمن تدور، واليوم جاء دور نظام الملالي الذي أخطأ في كل حساباته في الشرق الأوسط، وفي علاقاته مع أمريكا التي تطرق اليوم أبوابه بأكبر ترسانة عسكرية لم يشهدها العالم حتى في الحرب العالمية الثانية، تحت شعار امتلاكه لمشروع سلاح نووي، سيناريو العراق ذاته بممثل درامي يحبس الأنفاس، بنص متقلب:"طاسة ساخنة، طاسة باردة"، لكن في النهاية شعارها دائما: "أمريكا وإسرائيل أولا" في مواجهة شعار "مرك بر أمريكا" "مرك بر إسرائيل".