حدود إسرائيل لما بعد الفرات والنيل؟

مستوطنات اسرائيلية
مستوطنات اسرائيلية


هل يمكن لإسرائيل أن تتمدد على الخريطة العربية دون مباركة أمريكية وتواطؤ غربي بشكل عام؟
الإجابة عليه بديهية وهي بالطبع النفي. فالولايات المتحدة التي أخذت على عاتقها الدفاع عن دولة محتلة توسعية لا يمكن أن تكون فقط لخدمتها والحفاظ على أمنها كما اعتادت أن تقول، بل هي شريكة لها “وولية أمرها”، فهذه الدولة المارقة التي لم تحترم يوما قرارا دوليا، وتستمر في احتلال الأراضي العربية، منذ نشأتها لم يكن أن يكتب لها الحياة لولا عاملان أساسيان: الدعم الغربي وعلى رأسه أمريكا من ناحية، وتخاذل الأنظمة العربية في نصرة الشعب الفلسطيني، والتوجه إلى العدو والاعتراف به بعمليات تطبيع مجانية من ناحية أخرى. عملية طوفان الأقصى التي استولت على الكثير من الوثائق السرية من مراكز الاستخباراتية داخل دولة الاحتلال كشفت عن مخطط إسرائيلي يظهر خريطة الأراضي التي تنوي احتلالها لتقوم عليها دولتها، الخريطة تظهر مساحات واسعة تتعدى نهر الفرات والنيل (وهو الشعار الذي تردده إسرائيل) فهي تقتطع أجزاء كبيرة من سوريا والعراق والأردن ولبنان والكويت والسعودية، ومصر. ولكن هل هذه الدولة التي تسيطر على هذه المساحات الشاسعة وخيراتها ستتمكن لوحدها وبإمكانياتها تحقيقها؟ وهل لأمريكا دور أساسي فيها، أو مشاركة مباشرة؟
للإجابة على هذه الأسئلة لابد وأن نعود إلى عدة منظرين ومستشارين إسرائيليين وأمريكيين لفهم الدوافع الخفية لأمريكا في مباركة المشروع الإسرائيلي الاستراتيجي في الشرق الأوسط، الذي يعتبر كآخر هجمة استعمارية من الغرب للشرق الأوسط.
يعتبر ليو شتراوس (يهودي ألماني) المنظر والمرشد للمحافظين الجدد وخاصة في صفوف الحزب الجمهوري الأمريكي، وتتلخص نظريته في التفوق والدعوة لعسكرة الديمقراطية، والدعوة إلى زيادة تسلح الولايات المتحدة لتكون قوة عسكرية باطشة تقوم بما أسماه “التدمير الخلاق”: “التدمير الخلاَّق غايتنا في بلادنا وفي العالم. علينا أن نهدم النظام القديم، كلَّ يوم، وفي الميادين كلِّها، من التجارة إلى العلوم فالأدب فالفن فالسينما فالسياسة والقانون” هذه النظرة المتعالية للأمريكي “المتفوق” عبر “التدمير الخلاق” رسم سياسة أكثر من إدارة أمريكية.
وكان شتراوس قد دعا للسيطرة على منابع الطاقة في العالم كي يتسنى للشركات الأمريكية الاستيلاء على معظم العائدات النفطية والغازية في العالم مما يسمح لها تغطية نفقات القواعد والأساطيل البحرية الأمريكية المنتشرة في العالم التي تستنزف الميزانية الحربية الأمريكية (تقدر التكلفة في حالة السلم حوالي مليار دولار يوميا).
السيطرة على أوراسيا
في خضم الحرب الباردة بين حلف الناتو وحلف وارسو ظهر مستشار الأمن القومي الأمريكي زبيغنو بريجينسكي للرئيس الأمريكي جيمي كارتر كواحد من أهم الشخصيات الاستراتيجية.
في كتابه “رقعة الشطرنج الكبرى” يرى أن الرقعة الجغرافية التي تحتل وسط العالم بين أوروبا وآسيا هي أهم منطقة في العالم، وتمتد من أفغانستان إلى المغرب مرورا بأوكرانيا التي اعتبرها أهم دولة من حيث إمكانياتها القادرة على تفكيك الاتحاد الروسي، وعلى أمريكا أن تركز استراتيجيتها عليها بعد الحرب الباردة لتكون رأس الحربة في ضرب روسيا، وبالنسبة للعرب دعا إلى تفكيك النظام الإقليمي العربي وطمس عروبته، وإعادة تشكيله على أسس عرقية وطائفية، في كتابه بين جيلين يقول:” هناك شرق أوسط مكون من جماعات عرقية ودينية مختلفة، بعيداً عن أساسِ مبدأ الدولة-الأمة، التي يجبُ أنْ تُحول إلى كانتونات طائفية وعرقية، يجمعها إطار إقليمي (كونفدرالي)… وهذا سيسمح للكانتون الإسرائيلي أن يعيش في المنطقة، بعد أنْ تُصفى نهائياً، فكرة القومية”.
وهذه النظرة التي دأبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على تحقيقها بالتعاون مع حليفتها إسرائيل تم التعبير عنها فيما بعد تحت شعار ” الشرق الأوسط الجديد”
الاحتواء المزدوج
مارتن إنديك (يهودي بريطاني) سفير أمريكا في إسرائيل أطلق مصطلح “الاحتواء المزدوج” والمقصود به احتواء العراق وإيران، لأنهما يشكلان الخطرين الحقيقيين على إسرائيل، ويضاف إلى هذه الواجهة الهدف الثاني وهو السيطرة على منابع الطاقة في إيران والعراق (بعد السيطرة على مصادر الطاقة في الخليج) كما أوصى ليو شتراوس، وقد عملت الولايات المتحدة بنصيحة إنديك في الهجوم على العراق في عهد بوش الابن وإدارة المحافظين الجدد تحت ذرائع واهية باتهام نظام صدام حسين بامتلاك أسلحة دمار شامل، لكنها لم تتمكن من احتواء إيران التي كانت أذكى من أن تقع في فخ احتلال الكويت، وتداركت الخطر بالعمل على امتلاك أسلحتها والتطلع إلى سلاح نووي رادع يهدد مباشرة إسرائيل في حال أي هجوم عليها.
تجزيء المجزأ
عوديد ينون، مستشار سابق لآرييل شارون، ومن كبار الموظفين السابقين في وزارة الخارجية الإسرائيلية وصحافي في جورزاليم پوست نشر في ثمانينيات القرن الماضي كتابا لاستراتيجية يتوجب على إسرائيل اتباعها وهي تجزيء المجزأ:” فالعالم العربي لا يمكنه أن يشكل كتلة متجانسة لأنه منطقة تكثر فيها الإثنيات والطوائف والأقليات العرقية والدينية، وعليه لا بد من تفكيك الدول التي كانت من نتاج استعماري” وحدد ينون الدول التي يجب تجزئتها كسوريا مثلا تجزأ لأربع دول، والعراق لثلاث، ومصر لدولتين، والسودان لأربع.. وهكذا.
هذه المخططات الاستراتيجية نرى نتائجها اليوم على أرض الواقع تماما كما جاء فيها: ضرب العراق وتدميره وتجزئته على أسس طائفية وعرقية وبناء قواعد أمريكية فيه، تدمير سوريا وتجزئتها على أسس طائفية وعرقية ودعم الأكراد في عملية انفصالية وبناء قواعد أمريكية (يوجد 6 قواعد عسكرية أمريكية في سوريا دون موافقة النظام السوري)، واعتراف أمريكي بضم الجولان من قبل الرئيس دونالد ترامب كهدية لإسرائيل.
تقسيم السودان لدولتين في العام 2011 وربما لثلاث أو أربع دول مستقبلا، تقسيم ليبيا والسيطرة على نفطها بين شرق وغرب، ضرب اليمن وتقسيمها طائفيا بين شمال وجنوب.
فرض عمليات تطبيع مع دولة الاحتلال لست دول عربية والحبل على الجرار التي كان من نتائجها الأولية تحويل هذه الدول إلى دول منزوعة الإرادة وتحويلها إلى لعب دور الوسيط بين دولة الاحتلال والمقاومة في فلسطين، بل ودعم بعضها لدولة الاحتلال ضد المقاومة في غزة، واستلام إيران مشعل تحرير القدس.
وكما لكل آلية (ميكانيزم) ربما حبة رمل تعرقل مسارها جاءت عملية طوفان الأقصى كحجر عثرة في طريق المشروع الصهيوـ أمريكي الكبير (المعلن منه، وغير المعلن) في بناء دولة لإسرائيل كبرى مساحتها تتعدى ما بعد الفرات والنيل كما أظهرت الخريطة التي تم الكشف عنها. فبدا واضحا وضوح الشمس في يوم صيف أن مستقبل المنطقة برمتها يجري إعادة صياغتها حسب مصالح صهيوـ أمريكية مشتركة، وأول الخاسرين فيها دول الوسطاء والتطبيع الذين تخلوا عن المقاطعة والمقاومة.
كاتب سوري