سوريا وحسابات الإدارات الأمريكية الخاطئة

لاجئون سوريون
لاجئون سوريون

(عن القدس العربي)

تيقظت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، على وقع الغزو الروسي لأوكرانيا، إلى حساباتها، وحسابات الإدارات السابقة لسياساتها الخاطئة في سوريا بعد اندلاع الثورة السورية في العام 2011.

فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي بنى آمالا قيصرية على مغامرته في أوكرانيا بضمها إلى الاتحاد الروسي بضربة قاضية بفضل جيشه العرمرم، في بضعة أيام أو ما يزيد قليلا، بدأ يشعر في خيبة الأمل بعد انقضاء زهاء سنة على بدئها بعد أن استنفر الغرب كل إمكانياته بدعم أوكرانيا وتوجيه ضربة موجعة لروسيا البوتينية.

إزاء بشائر هذا الإخفاق واكتمال الهزيمة لعب سيد الكرملين الورقة السورية لضرب عدة عصافير بحجر واحد: من ناحية ضرب المشروع الأمريكي في سوريا بدعم وحدات الشعب الكردية لتحقيق استقلال ذاتي يفضي في المستقبل لبناء دولة كردية، ومن ناحية أخرى إرضاء حليفه المستحدث الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الذي يخشى على أمن تركيا القومي من التحالف بين وحدات الشعب الكردية وحزب العمال الكردستاني بإعادة الأراضي التي تسيطر عليها في شمال شرق سوريا لسيطرة النظام السوري، وأخيرا دعم نظام بشار الأسد في التطبيع مع تركيا لإخراجه من عزلته إقليميا، على أقل تقدير، بعد انفتاح بعض الدول العربية عليه.

كما لم تتوقع المخابرات الأمريكية الغزو الروسي لأوكرانيا، تفاجأت أيضا باندلاع الربيع العربي وسقوط أنظمة عربية كأحجار الدومينو، مع وصول شرارة محمد البوعزيزي إلى دمشق وهبة الشعب السوري في كل المدن السورية تطالب بإسقاط النظام، إذ ظنت إدارة أوباما أن مصير نظام الأسد سيكون كمصير الأنظمة التي سقطت قبله في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، فشرعت في دعم المعارضة المسلحة بالأسلحة، حتى أن السفير الأمريكي في دمشق روبرت فورد حضر رفقة السفير الفرنسي إيريك شفالييه المظاهرات الحاشدة في مدينة حماة “للوقوف إلى جانب الضحايا” حسب تعبيرهما. لكن سرعان ما تغير موقف إدارة أوباما وحرف بوصلتها إلى دعم وحدات حماية الشعب الكردية وتأليف تحالف دولي ضد “داعش” التي اكتسحت مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وتفاجأ العالم في العام 2013 بأول مجزرة مروعة بهجوم بالأسلحة الكيميائية من قبل النظام على غوطة دمشق الذي كان باراك أوباما يحذر من أن استخدام هذه الأسلحة “خط أحمر” لكن هذا الخط الأحمر لم يطبق على النظام السوري، لأن في تلك الفترة كان أوباما يهندس الاتفاق النووي مع إيران وخشي إفشال مخططه كون إيران حليفة سوريا، ولا يمكن التغاضي عن أن نظام الأسد الأب قد وقف إلى جانب جورج بوش الأب في حربه في العراق، بالإضافة إلى دعم إسرائيل لنظام الأسد الضامن لأمنها على جبهة الجولان.

السفير الأمريكي روبرت فورد انتقد سياسة أوباما بالقول: “إن السياسة الأمريكية تجاه سوريا فشلت فشلاً ذريعًا، موضحًا أن إدارة رئيس بلاده (باراك أوباما)، فشلت في حل القضية السورية من خلال الطرق غير العسكرية، في حين أنه كان يتوجب حلها عسكريًا ” وأضاف “أوباما يعتبر، أن على الولايات المتحدة أن تولي أهمية أكبر لعلاقاتها مع آسيا، حتى لو كان على حساب إضعاف الدور القيادي الأمريكي في الشرق الأوسط” مشيرًا أنه من أكبر الأخطاء الأمريكية في سوريا، عدم تقديم الدعم الكافي للمعارضة بين عامي 2012 و2013.” ولعبت موسكو دورا كبيرا في إنقاذ النظام السوري من ملاحقة المنظمات الدولية عبر تسليم أسلحته الكيميائية وتدميرها تحت إشراف فرق الأمم المتحدة التي قامت بالمهمة بالإعلان عن خلو سوريا من الأسلحة الكيميائية.

متناقضات ترامب

تسلم ترامب الرئاسة الأمريكية وكان همه منصبا بشكل أساسي على جمع المال من دول الخليج، ودعم صديقه الحميم بنيامين نتنياهو بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وتعيين صهره جاريد كوشنر ككبير مستشاريه لتنفيذ “اتفاقيات أبراهيم” للتطبيع مع إسرائيل (أربع دول عربية طبعت مع إسرائيل في عهده: الإمارت، والبحرين، والمغرب، والسودان). والقضاء نهائيا على الدولة الفلسطينية عبر “صفقة القرن” وفي الرابع من نيسان/أبريل 2017 استيقظ العالم مجددا على مجزرة في السلاح الكيميائي في مدينة خان شيخون قام بها الطيار محمد حاصوري انطلاقا من مطار الشعيرات العسكري وراح ضحيتها أكثر من مئة طفل ومئات الأشخاص الآخرين بين قتيل ومصاب، وهذا يعني أن النظام السوري عاد مجددا لتصنيع الأسلحة الكيميائية واستخدامها، ورغم نعت دونالد ترامب “الحيوان” لبشار الأسد إلا أن رده اقتصر على ضربة صاروخية لمطار الشعيرات جاءت على مدرج تم ترميمه بأسرع من الصاروخ الذي ضربه. وعلى إثرها كان ينوي سحب القوات الأمريكية من سوريا.

جو بايدن والتركة الثقيلة

انصب هم إدارة بايدن بالدرجة الأولى على محو التركة الثقيلة التي خلفها ترامب وراءه عبر: إعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران، وإلغاء صفقة القرن بالإعلان عن سياسة أمريكا الثابتة بدعمها لإقامة دولة فلسطينية (حل الدولتين). لكنه أخفق حتى الآن بجر إيران للتوقيع على اتفاق نووي، ورفض إسرائيل لقيام دولة فلسطينية، وجاء الرد بتشكيل حكومة إسرائيلية مع الأحزاب الأكثر تطرفا والتي تشرعن ضم الضفة الغربية، وجاء اقتحام المسجد الأقصى من قبل وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير ليحرج الإدارة الأمريكية ويربك بايدن بعد إدانة بن غفير على مستوى عالمي، في وقت كان يبحث في المقدمة كيف يمكن للولايات المتحدة مواجهة الصين الصاعدة. فإذا بحلفاء أمريكا التقليديين في الخليج العربي يوجهون بوصلتهم إلى بكين وعلى رأسهم السعودية التي استقبلت الرئيس الصيني تشي جين بينغ ونظمت مؤتمرا جمع قادة دول الخليج، وقامت الصين بإطلاق عدة تهديدات باحتلال تايوان كتحذير للولايات المتحدة وتستمر باستفزازها، وتفاجأ بايدن والعالم أجمع في 24 شباط/فبراير من العام الماضي بغزو الجيش الروسي لأوكرانيا، الأمر الذي حول الأنظار إلى الخطر الروسي الداهم لابتلاع دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة قدمت طلبا لتكون عضوا في حلف الناتو، واستنفر الغرب قواه وهب لدعم أوكرانيا وبالأخص أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، وانتبه بايدن أن روسيا تلعب الورقة السورية لإضعاف الدور الأمريكي في سوريا بل وحتى طرد قواته منها وهذا ما لا ترغبه إدارة بايدن التي أيقنت متأخرة أن الخطأ الكبير كان في بقاء نظام الأسد الذي جلب الدب الروسي إلى الكرم السوري وعزز من نفوذه في الشرق الأوسط، واليوم يرى أن تركيا حليفة أمريكا والعضو في الناتو تمسك العصا من الوسط بانفتاحها على موسكو وتنفيذ مخططها في دعم النظام السوري بالتطبيع معه، والحليف الثاني المتمثل في الإمارات العربية المتحدة التي تقوم أيضا بدور العراب لتلميع صفحة النظام الأسدي ما أثار حفيظة إدارة بايدن وخاصة بعد زيارة وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد الأخيرة لدمشق، إذ صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس للصحافيين، الثلاثاء، إن الإدارة لا تدعم الدول “لتحسين علاقاتها أو التعبير عن دعمها لإعادة تأهيل الديكتاتور الوحشي بشار الأسد”. وأضاف برايس “نحث الدول على النظر بعناية في سجل حقوق الإنسان الفظيع لنظام الأسد على مدى السنوات الـ 12 الماضية، حيث يواصل ارتكاب الفظائع ضد الشعب السوري ومنع وصول المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة”.

لقد تعامل بايدن حتى الآن مع المأساة السورية على أنها أزمة يجب احتواؤها، لكن يبدو اليوم أن هناك إعادة تقييم للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بشكل عام، وسوريا بشكل خاص.

كاتب سوري