بردى ووجع ذاكرة الماء

نهر بردى  بعد أن تحول إلى مكب للنفايات
نهر بردى بعد أن تحول إلى مكب للنفايات


تعشش في الذاكرة أياما كنا نذهب رفاقا نتنزه على ضفاف بردى، كان النهر كأنه يدحرج كرات من ماء تتابع بعضها بعضا بهرولة سريعة، وكأنها تتسابق للوصول إلى الغوطة لتروي أشجار بساتينها الوارفة وهي تحمل من كل ثمرة لونين، كنا نضع ساقينا في الماء البارد، ولا نجرؤ الغوص فيه لعمقه وجريانه، متنزهون آخرون يضعون بطيخا على ضفته لتأخذ من برودته. على ضفتيه كانت الأشجار تقف كعذارى ملوحة مع كل نسيم، ويتلألأ الماء مع كل شعاع شمس، صورة من صور أحلامنا اليوم. وبردى عقد دمشق المائي الذي كان يلتف حول جيدها، كان يعرف بنهر الفردوس قديما، وسماه البزينطيون نهر الذهب. وسماه الآراميون بردى لبرودة مياهه النابعة من سفح جبل في وادي الزبداني. يتفرع بردى قبل دخوله دمشق إلى سبعة أفرغ: يزيد والمزاوي، والديراني، وتورا،(إسم آرامي معناه شباك الصيد)، بانياس، القنوات، بردى الذي يشق دمشق إلى نصفين مارا بساحة المرجة أجمل ساحات دمشق. تغنى به الشعراء، يقول فيه حسان بن ثابت: يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسل. وقال فيه جرير: لا ورد للقوم اذا لم يعرفوا بردى.. اذا تجوب عن اعناقها السدف، ويقول محمد الأصبهاني: ومن بردى برد قلبي المشوق.. فها أنا من حره مستجير. ويقول أبو المطاع بن حمدان: فلي بجنوب الغوطتين شجون.. وما ذقت طعم الماء إلا استخفني إلى بردى والنيربين حنين. وشاعر لبنان الكبير سعيد عقل قال: مر بي يا واعدا وعدا مثلما النسمة من بردى.. تحمل العمر تبدده آه ما أطيبه بددا، ولي فيك يابردى عهد أعيش به .. عمر ي ويسرقني من حبه العمر، ويقول الشاعر الدمشقي الكبير نزار قباني: بابلدة السبعة الأنهار يا بلدي.. ويا قميصا بزهر الخوخ مشغولا، هواك يابردى كالسيف يسكنني.. وما ملكت لأمر الحب تبديلا. ويقول جورج صيدح: حلمت أني قريب منك يا بردى.. أبل قلبي كما بل الهشيم ندى، وقال أمير الشعراء أحمد شوقي: سلام من صبا بردى أرق.. ودمع لا يكفكف يا دمشق. وهذا البيت ينطبق اليوم على دمشق التي فقدت برَدَها في عهد نظام حول بردى إلى مكب نفايات.