عبادة الفرد لا تجلب على البلاد سوى المصائب

تماثيل الرؤساء .. تجسيد عبادة الفرد
تماثيل الرؤساء .. تجسيد عبادة الفرد


الأحداث المأساوية، التي شهدتها جمهورية كازاخستان، في غضون الأيام القليلة الماضية، تُـقدم دليلاً إضافياً على أن الشعب الذي يرتضي أن يُسلِّم زمام أمره للحاكم (شخصاً كان أو حزباً)، ويكفَّ عن مراقبة تصرفاته ومحاسبتِه، لا بد أن يجيء وقت يندم فيه على تخليه عن أي حق من حقوقة الإنسانية الطبيعية؛ في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

نور سلطان نَزَبايفِ، المولود سنة 1940 لعائلة ريفية عادية جداً، كان عضواً نشطاً في اتحاد الشبيبة الشيوعية "كومسومول"، ثم في "الحزب الشيوعي السوفياتي". كان ينتقد بشدة فساد القيادة في جمهورية كازاخستان السوفياتية، ويدافع عن حقوق المواطنين، الأمر الذي مكنه من تبوّء منصب رئيس وزراء تلك الجمهورية في عام 1984. ولم يتسغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى تمكن من إقناع القيادة في موسكو بأنه الأجدر بتسلم زمام الأمور في جمهوريته.

من خلال متابعتي اللصيقة للأيام الأخيرة من عمر الاتحاد السوفياتي، أستطيع الجزم بأن نَزَبايفِ كان أحد ألمع الأشخاص في القيادة السوفياتية. إذ أنه دعم بقوة محاولات ميخائيل غورباتشوف الرامية إلى المحافظة على الاتحاد السوفياتي عبر تطوير أساليب الحكم والإدارة، بما يجعلها تواكب التطور الذي تشهده المجتمعات الأخرى على كافة الأصعدة.

الشهرة التي اكتسبها خلال السنوات الأربع الأخيرة من عمر الاتحاد السوفياتي، لعبت دوراً حاسماً في تقرير مصير نَزَبايفِ. فبعد تفكك الاتحاد السوفياتي، غدت كازاخستان دولة مستقلة ذات سيادة، وأصبح نَزَبايفِ رئيساً لتلك الدولة الأورو- آسيوية مترامية الأطراف، والغنية بالكثير من الموارد الطبيعية، وبالصناعات التي ورثتها عن الاتحاد السوفياتي. هذه العوامل مجتمعة مكنت نَزَبايفِ من تطوير بلاده ومن رفع المستوى المعيشي لسكانها. وهذا الأمران – بدورهما – مكّناه من زرع أناس موالين له بالمطلق في السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والأمنية. وبعد ولايتين رئاسيتين من الحكم المطلق، أصبحت كل مفاصل الدولة وسلطاتها بيده؛ عبر أقاربه وصنائعه. وأصبحت الأجواء مهيئة لقوننة تسلطه مدى الحياة.

عندما اطمأن نَزَبايفِ إلى أن الأمور كلها باتت تحت السيطرة، ترك منصب الرئاسة وأوكله إلى أحد أرِبّائه – قاسِم-جومارت توكايٍف، لكنه احتفظ لنفسه بمنصب "رئيس مجلس الأمن القومي" لكي تظل كافة "مؤسسات القوة" تحت أمرته المباشرة.

تفاقم جشع "العائلة"، وتضخمت جيوبها، وازداد فسادها، ولم يعد أحدٌ من أفرادها يُلقي بالاً لما يمكن أن يستفز مشاعر الشعب.

كان الشعب الكازاخستاني يدرك تماماً أن موارد بلاده تمكّنه من تأمين مستوى معيشي يضاهي نظيره لدى أكثر الدول تطوراً، ويدرك أيضاً أنه لن يستطيع أن يتمتع بمقدرات بلاده ما دامت "العائلة" الفاسدة تسيطر على زمام الأمور.

بلغ الضغط النفسي لدى الشعب الكازاخستاني أشدّه، وكان بحاجة إلى أي شرارة للانفجار. وكان له ذلك عندما أعلن زوج ابنة "زعيم الأمة" رفع سعر الغاز المسال.