"زفوني زفوني وعالورد مشوني"

الاذاعة المدرسية ..العمل الاعلامي الاول
الاذاعة المدرسية ..العمل الاعلامي الاول


في الذكرى الثامنة والأربعين لحرب السادس من تشرين "التحريكية"، والتجميلية لمسح عار حرب الخامس من حزيران، تعود بي الذكرى إلى مقاعد الدراسة في مدرسة الثانوية الأهلية الخاصة في دمشق في وقت كان فيه ليفي أشكول يهدد باحتلال دمشق، وحكومة يوسف زعين كانت تبيع الشعب السوري شعارات وتصريحات نارية بالكيلو، وتزاود على جمال عبد الناصر، ومنها أن الجيش السوري يعد السوريين بأن يتناول وجبة غذائه في تل أبيب في أول يوم من الحرب التي كانت تقرع طبولها. صدقنا كلام الإذاعة، والتلفزيون، والصحافة التي كانت تتبجح "بإنجازات البعث الكبيرة، وكانت عشيقة سليم حاطوم، لودي الشامية تصدح بأغنية:" البعث قامت ثورته، والدهر دارت دورته ليعيد مجد عروبتي وينال شعبي غايته". لكنها لم تدم طويلا."فرز وزير الدفاع حافظ الأسد معظم ضباط السنة إلى الحدود في الجولان (وهنا تفسير واضح لأكثر من محلل بأن المخطط الطائفي بدأ بنية تصفية الضباط السنة، وتحميلهم مسؤولية الهزيمة المتوقعة). الخامس من حزيران كان يوما أسود، يوم قهر، يوم صحوة من "إغماءة الشعارات والتصريحات الكاذبة"، حافظ الأسد الذي كان يعد بأن الجيش السوري الباسل سيتناول وجبة غذائه في تل أبيب، لم يعط أوامره بالهجوم، وهرب إلى حمص، بعد أن علم بهزيمة الجيش المصري، لأنه كان ينتظر أن موشي ديان هو الذي سيتناول غذاءه في دمشق، مع أن إذاعة دمشق كانت تعلن عن إسقاط الطائرات الإسرائيلية كالذباب. وقبل هربه أطلق بلاغه الشهير رقم 66 بسقوط القنيطرة، ولم تكن قد سقطت بعد ( وهذه شهادة أكيدة من الوالد الذي كان بين الضباط المتمركزين في القنيطرة ). وأثارت هزيمة الجيش السوري وانسحابه من الجولان بطريقة عشوائية الحيرة والتساؤل، كيف صعد هؤلاء إلى هضبة الجولان (الذي كان منيعا ووعرا وشاهقا حتى أن الوالد كان يقول إذا طار نسر من سفح بحيرة طبريا إلى قمة الجولان يأخذ استراحة على الطريق). وكان التفسير الأقرب إلى كل ذي لب: الخيانة.

بعد الهزيمة أعطوا هذه الخيانة اسم " نكسة " وأصابنا الإحباط، وفقدان الثقة بالنظام الذي بدأت روائح الطائفية المنبعثة منه تزكم الأنوف. ولتغطية الخيانة قام النظام بتجييش الإذاعة وبث الأغاني الثورية وخاصة أغنية القدس لفيروز، وأجراس العودة فلتقرع، ونظم نزار قباني قصيدته الشهيرة: "عفوا فيروز معذرة أجراس العودة لن تقرع.. خازوق دق بأسفلنا من شرم الشيخ إلى سعسع".

وزارة الإعلام "الكاذبة المخادعة" أمرت بتزويد المدارس بإذاعات محلية لبث " روح القومية والثورية في الطلاب" عبر الأغاني الثورية، والخطابات الطنانة الرنانة لمسؤولي النظام. في مدرستي التي كانت في سوق صاروجة، في قلب دمشق القديمة كنت أكتب في مجلة المدرسة الحائطية مقالات خفيفة تحت عنوان:" كلمة وغطاها "، فقرر المدير أن أكون عضوا في فريق إذاعة المدرسة، وكان دوري أن أضع كاسيتات الأغاني الثورية في المسجل لتبث في أوقات الاستراحة. ولسخرية التاريخ أن في موازاة الأغاني الثورية التي انتجت على عجل ولكبار الفنانين:" أصبح عندي الآن بندقية لأم كلثوم وعبد الوهاب، وأن للباطل جولة لفريد الأطرش، وسواها." ظهرت أغان على نقيضها وكانت:" أغنية زفوني زفوني وعالورد مشوني لصباح"، اشتريت كاسيت هذه الأغنية، وأدخلتها خلسة إلى الإذاعة، وفي الاستراحة بدل أن أبث أغنية القدس، وضعتها في المسجل وقمت ببثها، فقامت الدنيا ولم تقعد، وفهم الطلاب المقصود الذين هاجوا وماجوا تأييدا وتصفيقا، أما أنا فجاءني المدير مهددا " والله لزفك زف" وأصدر قرارا بطردي من المدرسة لمدة أسبوعين من أول عمل إعلامي لي انتهى بفضيحة، ولم تكن الأخيرة..