عن القدس العربي
بعد مرور سنة على عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بات العالم يقف على قدم واحدة، ينظر إلى ترامب، وينتظر مفاجآته المثيرة للجدل والوجل. صباح يوم يعلن عن غزو بنما، ومساء يوم آخر يصرح بضم كندا، وبعد ذلك سيجعل من غزة المدمرة بأسلحته «ريفييرا» الشرق الأوسط، ثم لا يتوانى عن مطالبة الدنمارك بشراء جزيرة غرينلاند، يقصف تحت جنح ليل، دون سابق إنذار، إيران بخديعة استمرار المفاوضات معها، وبذريعة امتلاكها وسائل تصنيع قنبلة نووية، وذات ليل بهيم آخر نستيقظ على هجوم مباغت على فنزويلا، واقتلاع رئيسها وزوجته من فراشهما وجرهما جرا إلى أمريكا ليحاكما بتهمه الجاهزة: المخدرات والإرهاب. يفرض رسوما جمركية ابتزازية على دول العالم، ويعلن نيته طرد مئة مليون إنسان من أمريكا، ينتهك كل القوانين والأعراف الدولية ويسخر منها بالقول:» لست بحاجة إلى القانون الدولي.. أخلاقي الشخصية.. عقلي. هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني». مع ترامب لا يمكن التنبؤ بشيء، إذ لم يسبق لأمريكا أن تزعمها رئيس يعلن طرد مئات آلاف المواطنين من أمريكا التي كانت قبلة المهاجرين، ولا انسحاب أمريكا من 66 منظمة دولية دفعة واحدة. ويطالب بمنحه جائزة نوبل للسلام. الأوروبيون يقفون متوجسين، وعاجزين عن إيجاد أرضية مشتركة للتعامل معه، خاصة في قضيتين أساسيتين، لهما تبعات خطيرة على المستوى الأوروبي بأكمله، والعلاقات مع الأخ الأكبر «the big brother» الذي يتخلى عن أوربا من أجل «أمريكا أولا» US first.
أوروبا من دون الناتو؟
في خضم الأزمة الأوكرانية والمداهمة الروسية المهددة، تجد أوروبا نفسها أمام واقع جديد مع النظرة «الترامبية» للمعضلة، التي لا تروق الأوكرانيين، ولا الحلفاء الأوروبيين، والتي لا تزال تقض مضاجع الاتحاد الأوروبي بشكل خاص، ودول أوروبا بشكل عام، بعد أن توقف الدعم الأمريكي الذي كان الرئيس الأسبق جو بايدن يغدق به على أوكرانيا، بينما سياسة ترامب تقول: إذهبوا أنتم وربكم فقاتلوا فنحن رفعنا أيدينا وليفعل فلاديمير بوتين ما يشاء، ولا يفوته القول: «لولا جهودي لكانت روسيا تسيطر على أوكرانيا بأكملها الآن»، وإن «روسيا لا تأبه بأي دولة في حلف شمال الأطلسي غير الولايات المتحدة، وإن واشنطن هي الطرف الوحيد الذى تضعه موسكو في حساباتها»، بمعنى آخر أن وجود الاتحاد الأوروبي، أو عدمه سيان.
مع ترامب لا يمكن التنبؤ بشيء، إذ لم يسبق لأمريكا أن تزعمها رئيس يعلن طرد مئات آلاف المواطنين من أمريكا، التي كانت قبلة المهاجرين، ولا انسحاب أمريكا من 66 منظمة دولية
أما غرينلاند يا أصدقائي الأوربيين فهي «أولوية أمن قومي» فإذا لم نأخذها بالسياسة الناعمة، سآخذها بالسياسة الخشنة»، وصرح وزير الخارجية مارك روبيو بأن «التدخل العسكري يظل خيارا مفتوحا أمام واشنطن في أي مكان بالعالم، متى رأت أن أمنها القومي مهدد». وشدد على أن الرؤساء الأمريكيين «يحتفظون دائما بخيار التحرك العسكري»، ليس في سياق محدد، بل على المستوى العالمي»، رغم أن القانون الدولي الذي ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة، أن اللجوء إلى القوة لا يكون مشروعا، إلا في حال الدفاع عن النفس ضد هجوم وشيك، أو بقرار صادر عن مجلس الأمن، وهو ما لا ينطبق على الحالة الفنزويلية ولا على الجدل الدائر حول غرينلاند. وهناك تأكيد من أكثر من مراقب دولي أن الجزيرة القطبية لا تمثل أي خطر وشيك على الولايات المتحدة، ولا وجود لنشاط روسي أو صيني قربها، وهي ادعاءات ترامب التي لا دليل قاطعا عليها.هذا الوضع المهدد دفع فرنسا وألمانيا إلى محادثات لإعادة التفكير في الحماية الأوروبية والاعتماد على النفس، وهددت الدنمارك بأن أي اعتداء على غرينلاند سينهي حلف الناتو بعد تفككه. أما بريطانيا فأوعزت إلى التهيؤ لنشر قوات في أوكرانيا.
أمريكا اللاتينية
منذ غزو فنزويلا، وسع ترامب دائرة تهديداته لتشمل أكثر من دولة في «الحديقة الخلفية الأمريكية»، عبر إحياء «مبدأ مونرو»، ولكن بصيغة التبجح بالقوة، بما عرفه البعض بمبدأ «دونرو» بالإشارة لترامب، إذ طالت هذه التهديدات المكسيك وكولومبيا، وكوبا، وربما ستتوسع أكثر ضمن منظور الهيمنة الأمريكية على كامل أمريكا اللاتينية، إما بالتدخل العسكري المباشر، أو بدعم الأحزاب اليمينية المتطرفة للوصول إلى السلطة، كما حدث في هندوراس والأرجنتين. هذا الوضع أقلق بدوره دول أمريكا الجنوبية، وتنظر بكثير من الترقب والحذر من انفعالات جديدة لسيد البيت الأبيض، فلا أحد يمكنه التنبؤ بردود فعله. إذ يحاول البعض التعامل مع الوضع بالحسنى كرئيس كولومبيا غوستافو بيترو، الذي هاجم ترامب بعد غزوة كاراكاس، ودعا إلى جلسة طارئة تحت بند «التهديدات للأمن والسلم الدوليين»، سيلتقي ترامب في البيت الأبيض بعد أن أطلق تصريحات نارية ضده ووصفه ترامب بالرجل المريض الهاوي لصناعة الكوكائين. الرئيس الكوبي ميكيل دياز كامبل، كان أشد انتقادا لترامب بقوله: «الهدف الأمريكي هو النفط الفنزويلي، تسقط الإمبريالية الإبادية غير الأخلاقية الفاشية، ولا يجوز الصمت والتهاون مع هذا العمل من إرهاب الدولة»، وندد الرئيس البرازيلي لويس سيلفا دو لولا بالهجوم بقوله: «تمثل هذه الأعمال انتهاكا صارخا لسيادة فنزويلا، وسابقة خطيرة أخرى للمجتمع الدولي بأسره. إن مهاجمة الدول، في انتهاك سافر للقانون الدولي، هي الخطوة الأولى نحو عالم يسوده العنف والفوضى وعدم الاستقرار، حيث يسود قانون الأقوى على التعددية»، الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم رفضت أي تدخل أجنبي، وأي غزو عسكري أمريكي لأراضيها، إلا أن المخاوف تتزايد في الكواليس، من أن «التهديدات التي أطلقها ترامب ضد المكسيك قد تتحول إلى واقع مأساوي»، وأيدت الباراغوي والأرجنتين ترامب بينما التزم رؤساء آخرون الصمت المطبق.
فوهة البركان في الشرق الأوسط
يستغل ترامب ونتنياهو الاحتجاجات المنتشرة في إيران لتهديد نظام الملالي والتدخل في حال استخدم النظام العنف ضد المتظاهرين. وتبقى طهران العدو الأكبر لتل أبيب، التي تحضر سيناريوهات التدخل العسكري بالتنسيق مع واشنطن في زيارة نتنياهو الأخيرة للبيت الأبيض، والخطر هذه المرة ربما يأتي من إيران نفسها التي إذا شعرت بأنها في خطر ستشعل المنطقة بأكملها، بدءا من لبنان فسوريا والعراق والأردن والخليج واليمن، وتبقى غزة بؤرة ساخنة طالما أن دولة الاحتلال لا تنصاع لبنود اتفاق وقف إطلاق النار، لتستأنف القصف تحت أي ذريعة. وكذلك في لبنان، التي تحاول نزع سلاح حزب الله الرافض للإملاءات الإسرائيلوأمريكية. ودول المنطقة بأكملها تتابع الأحداث الجارية في الجارة الإيرانية ويدها على قلبها.
غليان في أمريكا
بعد التصريحات المثيرة للدهشة والجدل لترامب بنيته طرد 100 مليون أمريكي من الولايات المتحدة، وحادثة مقتل الأمريكية ريني غود الأم لثلاثة أطفال برصاص عناصر وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية، والمظاهرات التي عمت ولاية مينيسوتا، على أثرها قامت عناصر الوكالة بانتهاكات خطيرة ضد المتظاهرين، التي انتقدها الكثير من المنظمات، التي واجهها نائب الرئيس جيه، دي فانس، على أن عناصر الوكالة يتمتعون «بحصانة مطلقة» من الملاحقة، ورفض مشرعون هذا الادعاء، وطالبوا بمحاسبة المهاجمين، وهذا الغليان لا يقل خطورة عن غليان مظاهرات إيران، إذ بدأ الكثير من الأمريكيين المجنسين يشعرون بالخطر وبأنهم مستهدفون من قبل وكالة الهجرة. كل هذه الأحداث المتعاقبة داخليا وعالميا تطرح سؤالا ملحا، ما هي الأسباب التي تدفع رئيس أمريكا للقيام بها؟ هل أمريكا نفسها باتت في خطر ويقوم ترامب بعملية هروب للأمام للحفاظ على «أمريكا العظيمة مجددا».
كاتب سوري