ترحيل اللاجئين السوريين في ظل الوضع الأمني والمعيشي الصعب في سوريا

بينما كانت أوروبا، في البداية، تمثل ملاذًا للكثير من اللاجئين السوريين الفارين من ويلات الحرب، أصبحت الآن أحد أطراف القلق والمخاوف الكبرى بالنسبة للعديد من العائلات السورية،  ففي الوقت الذي كانت فيه حقوق الإنسان والمساعدة الإنسانية من أولويات الشعارات الأوروبية، تزداد المشاهد القاسية التي تظهر كيف أن السياسات الأوروبية تُعرّض هؤلاء اللاجئين لمصير غير مستقر، وعواقب قد تكون كارثية بالنسبة لهم، وخاصة بالنسبة للأطفال.

ترحيل الأطفال السوريين: انتهاك للحقوق الأساسية

لا يمكن الحديث عن سياسة الترحيل من دون تسليط الضوء على الجانب الأكثر حساسية في هذه المسألة، وهو ترحيل الأطفال. في الآونة الأخيرة، شهدنا تقارير من دول أوروبية مثل قبرص، تشير إلى تصنيف بعض الأطفال السوريين كـ"خطر على النظام العام"، ما أدى إلى اتخاذ قرارات بترحيلهم إلى سوريا. هذه السياسات لا تقتصر على البالغين فحسب، بل تشمل حتى الأطفال الذين نشأوا في دول اللجوء، وهؤلاء لا يملكون أي علاقة مباشرة أو حتى فهمًا للصراع الذي دفع ذويهم إلى الهجرة.

لكن ما هو أكثر إيلامًا هو أن هؤلاء الأطفال الذين تم ترحيلهم أو تهديدهم بالترحيل، قد لا يملكون أي وسيلة للهروب من العنف الذي يلاحقهم في بلادهم. الكثير منهم ربما ولدوا في أوروبا، واحتفظوا بذكريات طفولتهم في مدارسها وحدائقها. لكن السياسة الأوروبية التي تهدف إلى "إعادة اللاجئين إلى وطنهم" تتجاهل تمامًا حقوق هؤلاء الأطفال في الحياة الآمنة والتعليم والنمو في بيئة مستقرة.

الحياة في أوروبا: "مستقبل غامض" للمهاجرين

لكن ما يزيد من تعقيد الوضع هو أن اللاجئين السوريين في أوروبا لا يعيشون في بيئة آمنة أو مستقرة حتى على الأراضي الأوروبية. فهم يعانون من التهميش الاجتماعي، والعنصرية، وصعوبة الاندماج في المجتمعات الأوروبية. هؤلاء اللاجئون يتخبطون بين محاولات تعلم اللغة والاندماج، وبين شعور دائم بأنهم في خطر من الترحيل المفاجئ.

في النمسا على سبيل المثال، هناك تقارير تفيد بأن بعض اللاجئين يتعمدون الرسوب في دورات اللغة التي تعتبر جزءًا أساسيًا من سياسة الاندماج، كنوع من المقاومة للضغوط التي تفرضها الحكومة عليهم. فبعضهم يرى أن النجاح في هذه الدورات قد يزيد من فرص بقائهم في البلاد، بينما يعتبرون أن فشلهم في اجتيازها قد يؤجل أو يمنع ترحيلهم. هذه الظاهرة تشير إلى واقع غير صحي حيث أن اللاجئين يفضلون البقاء في "منطقة رمادية" حتى لا يجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الترحيل القسري إلى بلد يعانون فيه من خطر الاعتقال، والملاحقة، وربما الموت.

الواقع الأمني والاقتصادي:

تقدّر الأمم المتحدة أن 16.5 مليون شخص في سوريا سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية بنهاية عام 2025، وهو رقم يعكس الحجم الهائل للأزمة الإنسانية المستمرة. ورغم محاولات الأمم المتحدة تلبية جزء من الاحتياجات، إلا أن 22% فقط من المساعدات المطلوبة قد تم تأمينها حتى الآن، مما يضع عبئًا إضافيًا على العائدين الذين يواجهون صعوبة في تأمين الاحتياجات الأساسية.

وتكشف المستجدات الحديثة أن المشهد الأمني في سوريا لا يزال هشاً ومتشظياً في جميع المناطق، مع تفاوت في درجات عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. ويشكل انتشار الميليشيات المسلحة غير المنضبطة في عدة مناطق تحدياً إضافياً يزيد من حالات عدم الاستقرار الأمني ويعيق عودة اللاجئين.

وفي ظل هذه الحقائق، يبدو أن السياسات الأوروبية الخاصة باللاجئين السوريين تتطلب مراجعة جادة. من ناحية، لا يمكن تجاهل حقيقة أن العودة إلى سوريا في هذه الظروف تشكل تهديدًا حقيقيًا على حياة اللاجئين، خاصة الأطفال. ومن ناحية أخرى، إذا كانت أوروبا قد تعهدت بحماية حقوق الإنسان، فإن السياسة الحالية قد تفرغ هذا التعهد من محتواه.