ذات ربيع طلب مني قبل أن يهل نيسان على بلاد جمهورية جناتستان بأن أكتب شيئا عن كذبة أول نيسان. فصعب الأمرعلي. ودخلت في حيص بيص , فسرت أهيم ملتمسا مكانا قصيا عل خلوتي تلهمني فكرة مبتكرة. فإذا بي بمكان قفر. لا زرع، ولا ضرع خلا وردة حزينة نبتت تكافح من أجل البقاء في محيط لئيم معاد، رفعت شرايين أوراقها راية الجفاف. وهي تزفر آخر أنفاس الحياة. فاقتربت منها أحدثها علها تتمسك بخيط أمل ولو من خيوط العنكبوت.
اقتربت منها وقلت: لا تخافي ولا تحزني فقد وعدوا بخطط لإنعاش الزهور والورود لأنها وجه البلد المنير. فالوردة عنوان للمحبة. تدخل البهجة إلى القلوب. وتزين موائد الزعماء في مؤتمراتهم وقممهم المجيدة، ووفاء لهذه الخدمات الجليلة، سيبلون عروقك كل صباح. ويجعلون من حولك سندسا تجري من حولها الأنهار. فتشربين هنيئا، و تعيشين في فيء دوحات وارفة. وأكدوا لنا أن توصيات اللجان في الوزارة المختصة تشمل حمايتك من الأيادي التي تريد أن تضرب عنقك وتضعك في مزهريات أو على شواهد القبور أو تنتزعك من الحدائق العامة. وسيضربون بيد من حديد على كل من ينتهك حرمة الزهور.
وما أن أتممت كلامي حتى هاجمتني جحافل الشوك والموك، والقريص والمريص، والعليق والمليق، والحنظل والمنظل. فوليت هاربا لا ألوي على شيء وأنا أصيح أغيثوني أغيثوني. إنها كذبة نيسان يا ناس، وهم يشبعوني وخزا ولسعا، ورفعوا بي تقارير يتهمونني فيها بالعمالة للورود وأني استحق الإعدام حتى الموت وكزا ووخزا.
ثم مررت بعصفور كئيب منتوف الريش بارز العظام. عاش دهره فارا من حجارة الأولاد، ورصاص الصيادين، ومخالب الطيور الجارحة. لف جناحا على جناح منتظرا الموت ليرتاح. فقلت له: لا تخف ولا تحزن بعد اليوم، فقد أعطونا وعودا قاطعة بأن يبنوا لأل العصافير أعشاشا في أجمل الأشجار ويشبعونها حبا وفاكهة، ويؤمنوا لها الحماية من كل ذي مخلب أوناب، أليست هي بهجة الأشجار، ونغمة الأسحار. فتمرحون وتزقزقون وتتحابون وتفقسون كما تريدون وترزقون ببنين وبنات وتنعمون بأجمل حياة.
وما أن اتممت كلامي حتى هاجمتني أسراب النسور والمسور، والصقور والمقور، والعقبان والمقبان، والبواشق والمواشق، وسمعت خلفي رصاص الصيادين يلعلع، وحجارة الاولاد تلاحقني حتى حسبت نفسي في انتفاضة. فوليت الأدبار وانا أصيح ياناس اسعفوني اسعفوني أقسم لكم انها كذبة نيسان. فأصبت بحجرين، ونجوت من رصاصة، وتمكنت مني ثلاثة مخالب، وكتبوا في تقريرا وصموني فيه بالتحريض على ثورة العصافير وأني استحق الموت بالمناقير، والمخالب نقرا وبقرا.
ومررت بشجرة لم تلد أغصانها أي ثمرة، منفردة تنتظر حكم الإعدام بحز عنقها بمنشار حتى الموت. فقلت لها: لقد قسى عليك الزمن. وأهمتلك الأيادي، وهاجمك العطش، أقسم قسما غليظا بأني سمعتهم يقولون بأنهم يناقشون خطة خمسية، أولها سنون عجاف وأخرها سنون سمان. ليرفعوا الظلم عن بني الشجر من ظلم البشر. فهناك مشروع المليون شجرة كل عام، تشملها مشاريع ري كبرى. فاغمضي عينا وافتحي أخرى فستجدين حولك الغابات الممتدة على مدى النظر. فتعودي إلى نضارتك الأولى و تستردين شبابك، وتحبلين بأجمل الأزهار، ثم تلدين أطيب الثمار، وتلهو أغصانك بأجمل العصافير، وسيبطلون فيك حكم الإعدام.
وما أن أتممت كلامي حتى هاجمني الحطابون واحد بمنشار، وأخر بفأس، وثالث ببلطة. وتبعهم متعهدو البناء الباحثون عن أراض جرداء بجراراتهم، فانهزمت أمامهم كالغزال وأنا أصيح أنا في الهيجاء ما جربت نفسي فارحموني ارحموني، اقسم أنها كذبة نيسان فاصابني منشار، وفجمت راسي بلطة وألقي القبض علي من قبل الامن بتهمة الاحتيال على الشجر. فساقوني إلى أول مركز للتحقيق. فقلت: يا اخوان لا بد وأن تكون دعابة كذبة نيسان. فقالوا: نقسم لك اننا في التحقيق لن نعذبك عذابا أليما، ولن نقبع أظافرك، ولن نجعل الكهرباء تسري في مؤخرتك إذا أفشيت لنا اسماء كل افراد العصابة المتأمرين مع الورود والعصافير والاشجار وكل الذين يستخدمون كذبة نيسان ككلمة سر للاحتجاج والتحريض على الثورة ضد النظام الديمقراطي العادل في جمهورية جناتستان. فلأني لم أجد سرا أفشيه مر علي نيسان الاول، ونيسان الثاني، ونيسان العاشر، وانا رهن التحقيق حتى نسيت أن نيسان يلد الربيع وأنه يبدأ بكذبة ظريفة. لكن يبدو أن في بلاد جمهورية جناتستان الديمقراطية كل شهر يبدأ بكذبة كبيرة بحيث أن أحدا لم يعد يصدق كذبة نيسان أو ميسان ولا أيار او ميار ولا حزيران أو مزيران فالكذب لم يعد ينطلي على أحد.