حمار يكتب مذكراته

كديشون
كديشون


الحمار والكلب أكثر حيوانين يساعدان الإنسان، ويعتبران خير معين للمجتمعات العربية وخاصة الريفية. ومع ذلك فهما مذمومان فبالنسبة للعرب الحمار هو مثال الغباء، والكلب مثال الخسة والخيانة، فإذا أراد عربي أن يشتم آخر ويصمه بعدم الفهم قال عنه: حمار، وإذا أراد أن يصم أحدا بالخساسة والخيانة قال عنه: كلب. مع أن الحقيقة هي العكس تماما، فالحمار تؤكد الدراسات المهتمة بالشؤون الحميرية بأن الحمار يعتبر من الحيوانات الذكية فهو لا يقع في الجحر مرتين، وإذا سلك الطريق مرة سيسلكه مرة أخرى دون مرشد، ومن ذكائه أنه إذا أراد أن يعاقب صاحبه على ضربه على مؤخرته أنه يحرن في أماكن حرجة ولا يتحرك مهما حاول صاحبه لثنيه عن حرنه. أما الكلب فهو من أكثر الحيوانات الذين يحمون أصحابهم ويدافعون عنهم، والأكثر وفاء لبني الإنسان. والغريب في الأمر أن المجتمعات الأوربية تعتبر الكلب حيوانا مصاحبا، وحاميا، ومحترما، مبجلا. والحمار بنفس المرتبة من الاحترام، ولا يستخدمان للشتائم فيما بينهم.
 مؤخرا صدر عن دار «المعجم» بالقاهرة كتاب «مذكرات حمار» للكونتيسة الروسية دي سيجور(الكونتيسة دي سيجور، واسمها الأصلي صوفي فيودوروفنا روستوبتشينا من أبرز رائدات أدب الأطفال في فرنسا خلال القرن التاسع عشر. وُلدت في سانت بطرسبرغ لأسرة أرستقراطية روسية، وكان والدها الكونت فيودور روستوبتشين حاكم موسكو أثناء غزو نابليون، وبعد انتقال أسرتها إلى فرنسا عام 1817 تزوجت من الكونت أوجين دي سيجور، وحملت اللقب الذي اشتهرت به أدبياً ومن أشهر مؤلفاتها أيضاً «مصاعب صوفي»، «الفتيات المثاليات»، «العطلات» وهي أعمال رسخت مكانتها كواحدة من أهم كاتبات أدب الأطفال في فرنسا، ولا تزال تحظى بانتشار واسع منذ وفاتها عام 1874
)، ترجمة حسين الجمل. يقع الكتاب في 141 صفحة تستعين بالحكي الطريف لتفتح باباً واسعاً للتأمل في علاقة الإنسان بالكائنات الأضعف منه، وفي المعايير القاسية التي يصنع بها البشر أحكامهم المسبقة، وبطل المذكرات يدعى "كديشون" الذى روى سيرته بكونه كائناً واعياً يمتلك ذاكرة وحساسية وقدرة على الفهم والملاحظة، كما يعلن منذ اللحظة الأولى اعتراضه على الصورة الشائعة عن الحمار بوصفه رمزاً للغباء والكسل، ويقدم نفسه على نحو ساخر بوصفه أذكى وأكثر حذراً من كثير من البشر الذين تعاقبوا على امتلاكه أو استخدامه ليروي ما يتعرض له من قسوة وخداع وإهمال، كما يتذكر لحظات الرفق والصداقة والإنصاف التي تمنحه أملاً في البشر. تنتقل المذكرات بين مواقف متعددة يعيشها الحمار مع سادة متباينين: منهم من يعامله كأداة بلا روح، ومنهم من يرهقه بالعمل أو يعاقبه بلا سبب، ومنهم من يكتشف فيه قدرة على الوفاء والذكاء. وفي كل محطة ينجو كديشون، أحياناً بالحيلة وأحياناً بالصبر، وأحياناً بفضل أشخاص يدركون أن الرحمة معيار حقيقي للإنسانية.
اللافت، أن كديشون لا يطلب من قارئه الشفقة وإنما الاحترام، وهذا بالضبط ما يمنح «مذكرات حمار» أصالتها، حيث لم تعد الرحمة بالحيوان قضية هامشية، بقدر ما هي اختبار يومي لقدرة الإنسان على رؤية الآخر، حتى لو كان هذا الآخر بلا صوت.
يا ترى لو نطق "كديشون" ماذا عساه أن يقول بأصحابه العرب الذين لا يتعلمون من وقوعهم في الجحر أول مرة ويقعون فيه مئات المرات ولا يزالون، والكلب بدوره ماذا عساه أن يقول في جحود الانسان لأكثر كائن حي وفاء له، وكيف أن العربي يحارب أخاه، ويتحالف مع ابن عمه الصهيوني لقتل أخيه؟ السؤال يستحق التفكير.