شيخ العقل حكمت الهجري وما يجري في سوريا!

شيخ العقل حكمت الهجري
شيخ العقل حكمت الهجري


أثارت التصريحات الأخيرة التي أطلقها شيخ عقل دروز السويداء، ردود فعل كبيرة ومتعددة لدى الطوائف الدرزية في سوريا ولبنان، وحتى دولة الاحتلال الإسرائيلي. إذ صرح شيخ العقل حكمت الهجري بعد أن أعلن سابقا عن «قيام دولة جبل باشان» في السويداء قائلا: «نحن كموحدين دروز جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل ومشتركون معها في العقيدة».
هذا التصريح أثار حفيظة معظم الدروز، ماعدا القلة التي تلتف حوله في السويداء ففي بيان للحركة الوطنية في الجولان السوري المحتل، عبر عن رفضه لتصريحات الهجري: «إن ما صدر من تصريحات عن الشيخ حكمت الهجري نعتبره موقفا مخزيا لا يمثلنا، ولا يعبر عن وجداننا ولا عن تاريخنا، ولا عن القيم التي تربينا عليها.. نرفض استخدام اسم الطائفة وأبناء الجبل لتبرير مواقف تساهم في تعميق الانقسام والفتنة، وتمزيق وحدة الشعب السوري»(دروز الجولان المحتل يرفضون الهوية الإسرائيلية منذ الاحتلال في حرب يونيو 1967.) وفي بيان عن مشيخة عقل عن طائفة الموحدين الدروز أكد أن:» الطائفة الدرزية هي جزء لا يتجزأ من الوطن السوري الموحد، ورفض التقسيم أو الانسلاخ أو الانفصال وأن الوطن السوري يضم السوريين جميعا». وأصدرت قيادات درزية في لبنان بيانا رفضت فيه أيضا تصريحات الهجري مؤكدين أن مواقفه لا تتناسب مع حقيقية الطائفة ولا تنسجم مع ثوابتها الدينية والتاريخية»، ووصفوا تصريحات الهجري على أنها «انحراف منفعل في جرح الوجدان الدرزي»، محذرين من المساس بهوية الطائفة، ومشددين على ضرورة التعامل مع أوضاع السويداء بالتعقل والحكمة. وأكد شيوخ عقل مدينة جرمانا في ريف دمشق في بيان لهم أن: «أهالي مدينة جرمانا يعلنون بشكل واضح وصريح أن الشيخ حكمت الهجري لا يمثل موقف مدينة جرمانا وأهلها، ويرفضون أي مواقف أو تصريحات أو ممارسات تصدر عنه، أو عن أي جهة تتبنى مواقفه.. وأن مدينة جرمانا كانت وستبقى وجهتها دمشق، وهي جزء أصيل من النسيج الوطني السوري». وأكد عضو مجلس الشعب السوري عن السويداء ليث البلعوس أن: «صكوك الانتماء للوطن لا تباع في بازارات التدويل، وتاريخ السويداء العريق أكبر وأطهر من أن يختصر في تصريح رخيص يربطها بكيان الاحتلال الغاصب».
وأصدرت «الحركة التقدّمية للتواصل ـ درب المعلّم في فلسطين 48»، بيان الحركة بتوقيع سكرتيرها عماد دغش، طالب القيادات الدينيّة في إسرائيل وفي الجولان وريف دمشق ووادي التيم والأردن ولبنان، أن تقول كلمتها، وهي التي تعرف حقّ المعرفة أن هذا الكلام غير صحيح ويشكّل ضررا بعيد المدى على الدروز، وقالت الحركة إن «إسرائيل تعرف تمام المعرفة أنّ كلّ ما قاله (الهجري) عن العقيدة المشتركة محض ترّهات». وتم التأكيد على أنه لا يوجد موقف حكومي إسرائيلي معلن يتبنى ضم السويداء، أو الاعتراف بانفصالها ولم يُطرح على جدول أعمال الحكومة ولا على جدول أعمال الكنيست الإسرائيلي وشدد البيان على أن «إسرائيل لا ترى في «إقطاعيّة الباشان» سوى ورقة لعب في مصالحها في مشروعها الشرق أوسطي، وسترميها عند أوّل فرصة».
صرح شيخ العقل حكمت الهجري بعد أن أعلن سابقا عن «قيام دولة جبل باشان» في السويداء قائلا: «نحن كموحدين دروز جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل ومشتركون معها في العقيدة
وتأتي هذه المواقف المختلفة، وتأجيج الوضع في السويداء بعد الأحداث الدامية التي وقعت في يوليو 2025 وراح ضحيتها زهاء 1700 شخص معظمهم من الدروز، عندما هاجم مسلحون دروز تابعون للشيخ حكمت الهجري، بعض السكان في قرى السويداء، الذين ينتمون إلى عشائر من محافظة درعا ودير الزور لطردهم من محافظة السويداء، فقامت قوات من العشائر بمهاجمة المسلحين الدروز، ما اضطر قوات الأمن للتدخل لفصل القوات، إلا أن مسلحي الهجري هاجموا قوات الأمن وقتلوا منهم سبعة أفراد، الأمر الذي تطلب تدخل قوات أمن بأعداد أكبر أسفرت عن مقتل أكثر من ألف شخص خلال أربعة أيام من المواجهات. وقامت دولة الاحتلال بقصف مبنى قيادة الأركان وسط دمشق تضامنا مع الدروز بعد التصريح بأن الدروز في سوريا هم في حمايتها. وقامت الحكومة السورية على إثرها في سبتمبر 2025 بوضع خريطة طريق لإصلاح العلاقات بين الفصائل الدرزية وعشائر البدو والحكومة السورية، واندماج السويداء في الدولة السورية، ولكن دون جدوى، أمام تعنت الهجري الذي سيطر على السويداء بحماية إسرائيل، وشكلت الحكومة السورية لجنة تحقيق وتحديد المسؤوليات، وأكدت ضرورة عودة مؤسسات الدولة إلى السويداء بالحوار مع زعامات الدروز. لكن الهجري ونجله سلمان، الذي يقود الحركة التمردية والقرارات الإدارية مع زعامات داعمة لمشروع «الباشانية» ترفض أي تسوية مع الحكومة السورية التي تصفها «بالتكفيرية والداعشية»، حتى إنها قطعت طريق السويداء دمشق رغم إنجاز الحكومة السورية المتطلبات اللوجستية والميدانية تنفيذا للمرسوم (163) الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في 19 أغسطس الماضي، القاضي بمنح دورة استثنائية للتقدم لامتحان شهادتي التعليم الأساسي ‌‏والثانوية العامة بفروعها كافة لطلاب محافظة السويداء جنوب البلاد، لكن مجموعات مسلحة محلية منضوية، تحت ما يعرف بـ«الحرس الوطني» التابع للشيخ حكمت منعت الحافلات التي ستقل الطلبة من التحرك. وفي الأثناء تستمر المناوشات بين قوات الأمن وعناصر «الحرس الوطني» بعد حادثة مقتل مدنيين من السويداء بقذيفة أصابت جرارا زراعيا، وفي آخر اشتباك وقعت إصابات عديدة في صفوف قوات الأمن.
وُلد حكمت الهجري عام 1965 في فنزويلا، وانتقل والده إلى هناك للعمل في خمسينيات القرن الماضي. عاد الهجري، لاحقا إلى سوريا من أجل متابعة دراسته، فأكمل مراحل التعليم من الابتدائية حتى الثانوية داخل البلاد، وتخرج في كلية الحقوق في جامعة دمشق عام 1990 في 1989، وبينما كان على وشك التخرج، توفي شقيقه أحمد الهجري، شيخ عقل في الطائفة الدرزية،) فاستُدعي ليشغل منصب شقيقه. لكنه بدلا من إكمال مسيرة الشيخ أحمد، اختار التقرب من النظام وشكّل فصيلا مسلحا قاتل إلى جانب الأسد، وأظهرت وثائق تم اكتشافها ونشرها موقع «زمان الوصل» بعد سقوط النظام البائد بأنه كان يتلقى مع نجله سلمان أموالا وأسلحة: «الوثيقة تؤكد توظيف نجل الهجري، المدعو سلمان (مواليد 2000)، بصفة «كاتب» مدني متعاقد في فرع أمن الدولة 312، مع تصنيفه «نصيرا بعثيا». ووفقا لمصدر مطلع منشق سابق عن الفرع، فإن التوظيف تم عام 2020 بقرار رسمي ورد إلى مكتب الذاتية، ونُدب لاحقا إلى بيت والده لـ»أغراض التنسيق الأمني أواخر عام 2023، خلال تصاعد الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الأسد في السويداء. وقد سُلّمت الأسلحة باسم «عامر سمير زين الدين»، وتضمنت بنادق «كلاشينكوف» و»بومبكشن»، مع ذخائر متنوعة. وأكدت مصادر أن هذه الدفعة كانت جزءا من سلسلة دفعات، تعكس العلاقة الأمنية المتينة بين الهجري والنظام البائد». وشهدت الطائفة الدرزية المنضوية تحت قيادته انقساما خلال فترة الثورة السورية، إذ أصبحت بلدة قنوات (شمال شرق مدينة السويداء)، مركزا رئيسيا لأتباع الهجري، في حين التفّت مجموعات أخرى حول مشايخ مقام عين الزمان (وسط مدينة السويداء)، وعلى رأسهم يوسف جربوع وحمود الحناوي. لكن الهجري الذي ساءت علاقته بالنظام في السنوات الثلاث الأخيرة قبل سقوطه، هنأ السوريين بعد سقوط النظام مصرحا أن سوريا «خرجت من استعمار دام 60 عاما» وطالب بـ»ضمان حرية المجتمعات المحلية دون أن يقطع صلتها بالحكومة المركزية». وقال: «إن الحديث عن نزع السلاح في سوريا لا يزال «مبكرا جدا»، وأن هذا الطرح «مرفوض بالكامل قبل تأسيس دولة وصياغة دستور يضمن الحقوق، وأن مطالب الطائفة الدرزية واضحة، وتتمثل في نموذج حكم محلي يستند إلى الإرادة الشعبية ويتناغم مع السلطة المركزية، ودولة مدنية لا تستند إلى أسس دينية أو عرقية، ودستور عادل، وضمان التعددية السياسية». هذه التصريحات لم تصمد طويلا إذ جاءت بالتزامن مع زيادة توسع التصعيد والوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا بعد انتهاك دولة الاحتلال لاتفاق فصل القوات 74. وبدأ الحديث عن تنسيق بين الهجري وإسرائيل وتم فتح الحدود والسماح للشيوخ الدروز بزيارة مقام النبي شعيب. ثم تم رفع العلم الإسرائيلي في ساحة السويداء، وتطور الوضع شيئا فشيئا حتى أصبح جبل العرب بتسميته الجديدة، جبل «باشان» (وهو تسمية توراتية) جزء لا يتجزأ من إسرائيل، حسب تصريحات الشيخ الهجري، التي أقامت الدنيا ولم تقعدها في صلب طوائف الدروز في كل من سوريا ولبنان والأردن وحتى إسرائيل. وهناك من شبه مشروع «جبل باشان» بمشروع أنطوان لحد في جنوب لبنان ومصيره الزوال.