شاهد الملايين خلال الأسبوع الماضي مقابلة مع الرئيس أحمد الشرع في حلقتين الأولى حول المواضيع السياسية والاقتصادية، والثانية حول الحياة الشخصية للرئيس ومسيرته النضالية لغاية التوصل لتحرير سوريا وسقوط النظام البائد.هذه المقابلة إذا نظرنا إليها من الناحية الإعلامية لا شك أنها حققت نجاحا في تقديم الرئيس أحمد الشرع للشعوب العربية بشكل عام الذين ربما لم يكن لديهم إلمام بسيرة الرئيس الشرع، لكن الصحافي الذي له باع طويل في فن المقابلات كان بإمكانه أن يقدم عملا أفضل بكثير لعدة أسباب. فكان من الواضح أن أسئلته كانت ارتجالية لا تسلك مسارا تصاعديا في علاج الملفات والانتقال من واحد إلى آخر بطريقة سلسة حتى نصل إلى تصور كامل للوضع في سوريا، حتى أن الرئيس الشرع كان مضطرا أحيانا أن يجيب على أسئلة بكلمة واحدة، أو أنه يحاول أن يجد جوابا عاما على سؤال لتحاشي الإحراج. وكان من الممكن استنباط الكثير منه حول الكثير من الأزمات والتحديات التي تمر بها سوريا، وخاصة فيما يتعلق بالوضع الداخلي حيث لم نسمع كلمة واحدة عن أزمة كبيرة وخطيرة تتمثل بحركة انفصالية من قبل فئة من الطائفة الدرزية يتزعمها شيخ العقل حكمت الهجري تحت مسمي "دولة جبل باشان" وتحتمي بدولة الاحتلال وترفع العلم الأزرق في السويداء، ولم نسمع عن كيف يمكن للرئيس الشرع معالجة هذا الموقف الذي بدأ يستفحل خاصة وأن التدخل الإسرائيلي صار شبه يومي على الأراضي السورية في ظل غياب كامل للدولة وكم من مرة اضطر سكان القرى السورية الدفاع عن أنفسهم بأنفسهم ضد عدوان جيش الدولة المارقة. لم نسمع شيئا عن علاقة الدولة الجديدة بالمعارضة السياسية والعسكرية السابقة التي ناضلت أيضا في سبيل تحرير سوريا من رجس النظام البائد التي تمثلت بالمجلس والوطني والائتلاف الوطني، والجيش الوطني الحر، والتي تم تهميشها تماما. بل تم طرح أسئلة تكررت على لسان أكثر من صحافي أجرى مقابلة مع الرئيس الشرع وخاصة بما يتعلق بالعلاقة مع حزب الله وكان الشرع واضحا وموقفه معروف. ثم العلاقة مع تركيا التي تعتبر اليوم أن سوريا تدخل ضمن أمنها القومي وتحذر إسرائيل من التمادي في انتهاكاتها لسوريا وإسرائيل تحذرها بالمقابل من تسليح سوريا. وعلى المستوى الأمني لم نسمع أي سؤال عن العمليات الإرهابية التي قام بها تنظيم داعش، أو عمليات فلول النظام السابق والتي تسببت في ضحايا كبيرة ونعرات طائفية.في الجزء الثاني من المقابلة لم نسمع مرة واحدة اسم "جبهة النصرة"، أو "هيئة تحرير الشام" وكيف تخلص الشرع من داعش وثم من القاعدة، وكيفية تم تطبيع علاقاته مع واشنطن. في الجزء الثاني من المقابلة لا شك أنها كانت ضمن جولة جميلة في دمشق، لكن كان من الأفضل إدراج بعض الصور عندما كان الشرع مقاتلا في إدلب ثم حاكما لها، وبعض الصور في عملية التحرير وخاصة في حلب ودمشق. وبعض الصور عن تحرير السجون، الطريقة التي تم عرض هذا المسار أعطتنا الانطباع وكأن الشرع وقواته كانوا في شبه نزهة حتى وصلوا إلى دمشق، لم نر صور الفرحة العارمة للسوريين بالتحرير في ذاك اليوم التاريخي المشهود، وفي هذه الحلقة كان الحديث ارتجاليا حتى أن الصحافي نادى الرئيس مرة ب"أبو محمد"، وهذا أعطانا الانطباع بأنه يريد الإيحاء بأنه أصبح مقربا جدا من الرئيس بإسقاط الالتزام بالأسماء والألقاب. كان الرئيس هادئا كعادته، واضحا، صريحا، ومستعدا للإجابة على أي سؤال مهما كان محرجا، لكن الصحافي لم يستغل هذه الفرصة لاستنباط أكبر قدر ممكن من شخصية غير عادية، وصل إلى الحكم ولأول مرة كزعيم لثورة، ومحرر بلد، وشعب، ولم يأت بانقلاب عسكري كما جرت العادة ولا بانتخابات مزورة. إنها حالة فريدة في بلد عربي كسوريا التي ناضل شعبها 14 سنة، ودفع ثمنا باهظا جدا من دماء أبنائه ومن بناه التحتية والعمرانية، ونجحت ثورته بتضافر كل الجهود، منها الفردية "كقيصر"، والجمعية ككل المؤسسات التي تم تنظيمها، والعسكرية بجميع أطرافها. وجاءت هيئة تحرير الشام لتتوج هذه الجهود الجبارة لشعب قاسى الويلات. واليوم يقود ثورته في إعادة البناء كما قال الرئيس الشرع ردا على سؤال الشعب السوري سيعيد بناء سوريا فهو شعب عمول وقادر على مواجهة كل الصعاب.