لم تنته هموم أمريكا وحروبها ومشكلاتها في الشرق الأوسط بسبب التحريض الإسرائيلي والدفع بها إلى المواجهات العسكرية، تارة ضد العراق وأخرى ضد إيران، تحت ذرائع أمنها وتهديد وجودها. واليوم وبسبب المعلومات والخطة المضللة التي قدمها رئيس الوزراء مجرم الحرب بنيامين نتنياهو لسيد البيت الأبيض دونالد ترامب وبحسب هذه الخطة «المحكمة» فإن النظام الإيراني سيسقط بعد يومين من بداية المعركة (الخطة ارتكزت على عمليتين أساسيتين: ضرب القيادات الإيرانية وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي، وتدمير المفاعلات النووية ومنصات الصواريخ، وتسليح الاكراد الانفصاليين الذين سيقومون بهجوم بري من الداخل ضد القوات الإيرانية، وهذا ما يفسر الضربات الإيرانية للأكراد،). راقت هذه الخطة للرئيس دونالد ترامب الذي يرى فيها مكاسب نفطية كبيرة يضيفها على مكاسب النفط الفنزويلي. لكن الأمور لم تتم كما كان يشتهي ترامب ويخطط لها نتنياهو. فمقتل القيادات الإيرانية لم يسقط النظام، والأكراد لم يتحركوا عسكريا، والقصف لم يدمر كل قوى إيران العسكرية. اليوم تجد أمريكا نفسها متورطة بحرب «إسرائيلية» كانت في غنى عنها، خاصة وأنها أصبحت مرفوضة من معظم الأمريكيين الذين يرون أنها حرب بالوكالة لخدمة إسرائيل، والعالم يتضرر بسبب إغلاق مضيق هرمز، ونقص الأمداد بالنفط، وأول المتضررين هو الاقتصاد الأمريكي الذي لا يتحمل رفع سعر برميل النفط، وهذا ما أثار حفيظة ترامب وغضبه ضد نتنياهو الذي أوقعه في ورطة الحرب، (وحسب صحيفة وول ستريت جورنال ترامب أعرب عن استيائه من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بل وأخبر مساعديه في بعض الأحيان أنه لا يرغب في التحدث إليه أو مقابلته).
جهاز «الشاباك» الإسرائيلي لا يحترم اتفاقيات التطبيع مع دول عربية لم تدن عملية طوفان الأقصى ويعتبرها من الأعداء
على الجانب الآخر فإن هذه الحرب تستغلها دول ثلاث لمصلحتها: روسيا والصين وكوريا الشمالية، فهي تغذي إيران وتزودها بمعدات حربية لاستنزاف أمريكا (وهي تنفي ذلك)، وهذا يأتي كرد على دعم أمريكا والدول الأوربية لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، وكرد للمساعدة الإيرانية لروسيا بتزويدها بالطائرات المسيّرة في حربها على أوكرانيا (ترامب كان حذر الصين وروسيا من تزويد إيران بالأسلحة وأشار إلى الأسلحة الامريكية التي تصل إلى أوكرانيا بأنها تأتي من دول أوروبية اشترت هذه الأسلحة وارسلتها لكييف، وصرح رئيس أوكرانيا فلوديمير زيلينسكي بأن أوكرانيا ستقوم بتصنيع طائرات مسيّرة بمساعدة الولايات المتحدة). أما الدول العربية التي تتلقى الضربات الإيرانية باتت تنظر إلى الاحتلال كتهديد لها، ويتسلل الشك إلى القيادات الخليجية بمصداقية الحماية الأمريكية لها وعلاقاتها المتصدعة بين إسرائيل والمنطقة ككل التي يريد مجرم الحرب نتنياهو تغيير وجه الشرق الأوسط بما يخدم مصالح إسرائيل، ولم يخف هو وكل قادة إسرائيل بأن الهدف النهائي لهذه الدولة العدائية هو إقامة دولة إسرائيل الكبرى على حساب دول الشرق الأوسط، ولم يخف رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك وحسب صحيفة إسرائيل اليوم) ديفيد زيني عقيدة الجهاز الجديدة: «الآن وكل من لم يدن مجزرة 7 أكتوبر فهو عدو لإسرائيل». أي حسب هذه العقيدة تحولت الدول العربية جميعا التي لم تدن عملية طوفان الأقصى إلى أعداء رغم تطبيع بعضها مع دولة الاحتلال، وهذا يعني أن إسرائيل لا تتخلى عن مفهوم العداوات الدائمة لتبرير اعتداءاتها متى يحلو لها على جيرانها. فهذه الدولة تخترع الأعداء حتى وإن لم يوجدوا.
ومن الابتكارات الأخرى التي أدخلها زيني على جهاز «الشاباك» مفهوم “التهديد المرجعي» أي السيناريو التهديدي الذي يُختار كنقطة مرجعية مركزية، تُستمد منها جميع قرارات وأولويات الجهاز الأمني. التهديد المرجعي لـ “الشاباك” في عهد زيني هو المجزرة. ليس المقصود مجزرة 7 أكتوبر/تشرين الأول، بل مجزرة سابقة من القرن الماضي: تلك التي وقعت عام 1929، خلال الاضطرابات التي وقعت في ذلك العام (ثورة البراق هو الاسم الذي أطلقه الفلسطينيون على اشتباكات 1929 وقتل فيها عشرات اليهود، وهذه الثورة كانت بسبب محاولات العصابات الإرهابية اليهودية الصهيونية مثل الهاغانا والشتيرن والأورغون لاحتلال أراض فلسطينية، وبعد مقتل العشرات من الفلسطينيين بهجمات صهيونية على قرى فلسطينية) أي أن جهاز «الشاباك» لا يحترم اتفاقيات التطبيع مع دول عربية لم تدن عملية طوفان الأقصى، ويعتبرها من الأعداء، بل ويمكن أن يتخذ قرارات مختلفة بمفعول رجعي لمجازر وقعت حتى قبل قيام دولة الاحتلال لتبرير اعتداءاتها. اليوم تروج دولة الاحتلال لعدو جديد هو تركيا بحكم أنها تؤيد القضية الفلسطينية، من ناحية، وأنها تحولت إلى دولة قوية عسكريا وتتحالف مع سوريا وقطر والسعودية وباكستان من ناحية أخرى (المحور السني حسب وصف نتنياهو) وهي تطالب أمريكا بتزويدها بطائرات إف 35 ومحركات لطائراتها المحلية الصنع. ولم تدن صراحة عملية طوفان الأقصى، ورفضت تصنيف حركة حماس حركة «إرهابية». وتستضيف قياداتها في أنقرة، والأخطر من ذلك بالنسبة لتل أبيب هو التقارب الكبير بين تركيا ومصر وخاصة في مجال الدفاع والتصنيع العسكري (وقّعت مصر وتركيا اتفاقية للتعاون العسكري خلال زيارة الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان للقاهرة في 4 شباط/فبراير 2026)، وقامت بثلاث مناورات عسكرية مشتركة خلال العامين السابقين. كما حاولت إسرائيل عمدا إحياء التوترات بين اليونان وتركيا بشأن قبرص وشرق البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك عن طريق تزويد قبرص بصواريخ الدفاع الجوي باراك إم إكس. في هذه الأثناء تحظى إسرائيل بوضع مميز في قاعدة جوية في مدينة «بافوس» القبرصية.
وتثير السعودية قلق إسرائيل أيضا بطلبها من امريكا بناء مفاعل نووي، رغم أن ترامب قد أكد أن الاستجابة لطلب الرياض مرتبط بتطبيع علاقات السعودية مع إسرائيل، وهي بهذا المفهوم لا يحق لأي دولة شرق أوسطية أن تبني جيشا قويا يوازي أو يفوق قوة اسرائيل، أو تدخل في تحالف مع دول أخرى قد تهدد نفوذ إسرائيل في المنطقة. وإذا هي (أي إسرائيل) تحالفت مع أقوى دولة في العالم، ونسجت علاقات قوية مع الدول الغربية التي تزودها بكل ما تريد من الأسلحة فهذا لا يهدد أحدا بل هو «دفاع عن النفس».
في المقابل لم نسمع من دولة عربية واحدة أنها تعتبر دولة الاحتلال والإبادة الجماعية ومرتكبة المجازر بحق الشعب الفلسطيني والسوري واللبناني دولة عدوة. بل على العكس هناك دول مطبعة معها، وأخرى تنتظر والجميع يلتزم الصمت إزاء كل الانتهاكات الجسيمة لدولة الاحتلال في فلسطين وسوريا ولبنان. ورغم ذلك ستبقى الدول العربية بالمنظور الإسرائيلي دولا معادية لأنها لم تدن عملية طوفان الأقصى، أو بأثر رجعي لأحداث تعود حتى لما قبل قيام إسرائيل في ثورة البراق. بالنتيجة فإن هذه الدولة المارقة لا تريد أن تعيش بسلام مع جيرانها من عرب وترك وعجم، ولو كانت فعلا تبحث عن ذلك لوافقت على خطة السلام العربية التي قدمها الملك عبد الله بن عبد العزيز في مؤتمر قمة بيروت في العام 2002 والتي تنص على الأرض مقابل السلام، وتطبيع علاقات كل الدول العربية معها مقابل قيام دولة فلسطينية. لقد قدمت الدول العربية كل التنازلات لتحقيق السلام في المنطقة الذي سيجلب الرخاء لكل الشعوب لكنها ومنذ اتفاق كامب ديفيد وتطبيع علاقات مصر مع إسرائيل منذ نصف قرن تقريبا لا تزال تدور في حلقة مفرغة إزاء دولة تخلت عن اتفاق أوسلو (غزة أريحا أولا) فهي تصر على رفض قيام دولة فلسطينية بل وتقوم باحتلال أراضي فلسطين في الضفة والقطاع، وتخلت عن اتفاقية فصل القوات مع سوريا، بل وقامت باحتلال أراض جديدة في الجنوب السوري، واحتلال جنوب لبنان وتدمير قراه وارتكاب جرائم قتل يومية بالسكان. ولن تتوانى عن إلغاء أي اتفاقية أخرى مع الدول المطبعة لسبب أو لآخر تتخذه ذريعة لذلك في الوقت الذي تراه مناسبا. فلا أمن ولا أمان مع دولة الإبادة الجماعية مهما قدمت الدول العربية من تنازلات.
كاتب سوري