ميثاق الشرف بين "عقدة الخارج" و"استحقاق الداخل"

في أواخر عام 2015، وبعد جلسات ماراثونية في "غازي عنتاب" و"إسطنبول"، و"صوفيا" وقعنا نحن ممثلي المؤسسات الإعلامية السورية ورابطة الصحفيين السوريين على "ميثاق شرف للإعلاميين السوريين ". أتذكر جيداً تلك اللحظات المؤثرة، حيث كانت النهاية السعيدة لبداية كارثية ، حين كانت لغة التخوين هي السائدة، وكيف احتجنا لشهور وميسّرين دوليين (أخرهم الدكتور زيدون الزعبي ) لردم الهوة العميقة بيننا كسوريين نبحث عن أرضية أخلاقية نقف عليها.

كنتُ وقتها عضواً في الهيئة الإدارية للرابطة،ومثلت الرابطة في هذه الجلسات التي ادارتها ماليا منظمة فري برس انلمتد ، وخضتُ تلك التجربة الغنية بكل تفاصيلها المرة والحلوة، لكنني كنتُ أحملُ في صدري غصةً لم تبارحني: أننا نصنع ميثاقاً وطنياً ونحن لاجئون. كانت المعضلة الكبرى هي "الإلزام"؛ فالمؤسسة التي تُبنى خارج حدود الوطن تفتقد للقدرة التنفيذية والاتصال الحي مع الأرض، وظللتُ أردد دوماً أن هذه التجربة مكانها الطبيعي هو "داخل الوطن".

اليوم، وبعد أن تحررت سوريا من قيود الاستبداد، وتحرر اتحاد الصحفيين السوريين ليصبح نقابة وطنية مستقلة تمارس دورها على أرضها، نجد أنفسنا أمام استحقاق مهني كبير يتمثل في "مدونة السلوك للقطاع الإعلامي". هذا العمل الذي تشرف عليه لجنة مهنية مستقلة وتسهّل إجراءاته وزارة الإعلام، ليس بدعةً ولا وصاية، بل هو المسار الطبيعي لترسيخ "التنظيم الذاتي" للمهنة.

وهنا، لا بد من وقفة صريحة أمام البيان الأخير الصادر عن "رابطة الصحفيين السوريين" والذي يرفض هذه المدونة. وبصفتي ممن ساهموا في بناء هذه الرابطة يوماً ما، أجدني مضطرة للتساؤل: كيف يمكن لجسمٍ صحفي أن يرفض مساراً مهنياً بحجة "الوصاية"، بينما يطالب في ذات البيان بالتعاون مع الوزارة في صياغة قوانين أخرى؟

إن التناقض الصارخ في خطاب الرابطة ينمّ عن انفصال عن الواقع؛ فمن المفترض بالرابطة، بما تملكه من خبرة تراكمية في إعداد المواثيق (كتلك التي خضناها معاً في 2015)، أن تكون أول الداعمين والمشاركين، لا أن تتحول إلى "حجر عثرة" سياسي في طريق مهني بحت.

إن المعايير الأخلاقية ليست ملكية فكرية لجهة دون أخرى، والشرعية المهنية تُكتسب من خلال المشاركة الفاعلة لمئات الصحفيين في الداخل، وليس عبر بيانات تُصدر من خلف الحدود لتخوين زملاء مستقلين بذلوا جهوداً استمرت لشهور.

لقد حان الوقت لندرك أن زمن "الإعلام الموازي" قد انتهى بانتهاء مسبباته، وأن بناء الدولة والمؤسسات يتطلب لغة جامعة، لا خطاباً إقصائياً يرفض الشيء لمجرد أن "الآخر" الوطني شريك فيه. ميثاق الشرف الذي حلمنا به في المنافي، يجد مكانه اليوم في مدونة سلوك تُكتب بأقلام سورية على تراب سوري، وهذا هو الانتصار الحقيقي للمهنة.