تظلّ القرى والبلدات السورية الواقعة على خطوط التماس شاهداً حياً على استمرار التوترات. خلال الأيام الماضية، شهدت بلدة بيت جن اشتباكاً غير نمطي، بدأ بدفاع ذاتي من عدد من المدنيين، ثم تلا ذلك رد فعل إسرائيلي عنيف. هذا المقال يحلل الأبعاد العسكرية والنفسية لهذا الحدث، وكيف كشف صمود الأهالي عن ثغرات في استراتيجية الردع لدى الخصم، خاصة بعد سقوط 12 شهيداً جراء القصف الأخير.
لقد أثبتت حادثة بيت جن الأخيرة أن التأثير الحقيقي للأحداث لا يُقاس بحجمها الظاهري، بل بعمق الصدمة التي تحدثها في منظومة الخصم. فالدفاع المستميت الذي أبداه عدد من أهالي البلدة عن منطقتهم لم يكن مجرد احتكاك عسكري، بل كان بمثابة اختراق استراتيجي لمفهوم السيطرة الإسرائيلية.
انكشاف الثقة الزائفة
ما أزعج تل أبيب بحق ليس الخسائر المباشرة، كترك المدرعة ووقوع الإصابات (ومنها جندي وضابطان في حالة خطيرة)، بل حقيقة أن هذا العمل جاء عفوياً وغير خاضع للتخطيط المركزي. لقد كشف هذا الفعل عن نقطة ضعف تحاول إسرائيل التستر عليها: وهي أن قوتها العسكرية ليست حائطاً لا يُخترق، وأن عامل المفاجأة يمكن أن يولد من أصغر الزوايا التي لم تُحسب في معادلاتها.
لقد اضطر جنود الاحتلال للانسحاب تحت ضغط نار الأهالي، وهو ما ينسف الصورة النمطية التي يسعى الجيش الإسرائيلي لترسيخها عن نفسه كقوة قاهرة. إن هذا الانكشاف قد أثار قلقاً عميقاً في صفوف القيادة، دفعها نحو رد فعل متسرع وهستيري تحسباً لتوسع رقعة هذا الوعي الجديد.
الرد الوحشي: إقرار بالإرباك لا بالقوة
كان الرد الإسرائيلي بقصف القرية، الذي أدى إلى سقوط 12 شهيداً وعدد من الجرحى، دليلاً واضحاً على حالة من التخبّط الاستراتيجي. هذا الرد العنيف ليس وليد قوة، بل هو محاولة بائسة لاستعادة زمام المبادرة المفقود وبعث رسالة تخويف دموية.
كان الهدف من التصعيد هو:
محاولة يائسة لاحتواء الفشل الذي تجسد في مواجهة الأهالي.
فرض عقاب جماعي قاسٍ لثني أي تجمع سكني آخر عن اتخاذ خطوة دفاعية مماثلة.
لكن هذا العمل العدواني يؤكد فقط أن الإرادة الشعبية للدفاع الذاتي هي ما يقض مضجعهم، وأنهم يلجؤون إلى العنف المفرط عندما تفشل آلياتهم المعتادة للردع والاحتواء.
جوهر الصمود: قوة الإرادة لا حجم السلاح
بالرغم من أن الأولويات السورية اليوم تتجه بوضوح نحو البناء الداخلي، وإعادة تأهيل المؤسسات، وتثبيت أسس التنمية، فإن حادثة بيت جن أظهرت أن قدرة الأمة على الدفاع ليست مرهونة بقرار سياسي معلن، بل هي متأصلة في الوجدان الشعبي.
لقد مثّل هذا الحدث الصغير اختباراً حقيقياً لليقين الإسرائيلي، مُظهراً أن أي تجاوز للخطوط الحمراء يمكن أن يواجه برد فعل شعبي غير تقليدي لا يخضع لقواعد الاشتباك المتوقعة.
اليوم، أثبتت بيت جن، من خلال تضحياتها الأليمة، أن عامل الردع الحقيقي يكمن في إرادة شعب يدافع عن حقه في الوجود بكرامة، وليس في حجم الدمار الذي يمكن أن تُحدثه القذيفة. إن هشاشة الخصم تتكشف عندما يواجه إصراراً لا يمكن قمعه بالكامل، وهذا هو الدرس الذي سيبقى من هذا المشهد الدامي.