بينما سارعت منصات التحليل لاعتبار اعتذار قناة "شمس" عن بث مقابلة الرئيس أحمد الشرع "فشلاً إعلامياً" للقصر بدمشق، ثمة وجهة نظر أخرى تقرأ المشهد من زاوية "الذكاء الاستراتيجي الصادم". فهل يعقل أن السياسي الذي أدار صراعات معقدة ببرود أعصاب، غابت عنه "حسابات البيئة" التي تبث منها قناة ناشئة في أربيل؟ أم أنه أراد للمقابلة أن "تُمنع" لكي تُسمع بقوة أكبر؟
الذكاء في اختيار "المنصة" و"المنع"
الشرع لم يختر "شمس" اعتباطاً؛ هو أراد منبراً كردياً "غير سوري" لكسر احتكار "قسد" للشارع الكردي السوري. لكن العبقرية هنا ليست في محاولة الإقناع، بل في "اختبار السقف". الشرع، بما عُرف عنه من صراحة حادة، ربما أراد أن يضع هذه القناة (والبيئة السياسية التي تحتضنها) أمام مرآة الحقيقة: "هل تحتملون سماع الرواية الأخرى؟".
حين تحدث الشرع بلهجة "إعلان الحرب" على قسد كما وصفها إيلي ناكوزي، كان يدرك أن كلامه قد لا يمر. وهنا تكمن المناورة؛ فالمقابلة التي "تُمنع" تتحول فوراً إلى "وثيقة سرية" يتهافت الجميع لتلقف تسريباتها. وبدلاً من خطاب دبلوماسي ممل قد يمر مرور الكرام، تحولت المقابلة إلى "قنبلة موقوتة" حققت غايتها قبل أن تُبث: لقد وصلت الرسالة إلى الكرد بأن دمشق لا تساوم على سلطة "قسد".
رسالة "اللا مشاركة" كفعل قوة
يقول البعض إن الشرع "لا يقبل المشاركة"، وهذا صحيح، لكنه في المقابلة استخدم هذا المبدأ كأداة سياسية. هو لم يذهب ليرأب الصدع مع "قسد"، بل ذهب ليرسم خطاً فاصلاً بين "المكون الكردي" كجزء من النسيج السوري، وبين "المشروع العسكري" لقسد.
الشرع كان يرمي بحجر ثقيل في بركة الكرد السوريين، والرسالة هي: "أنا أخاطبكم من إعلامكم، لأقول لكم إن عدوي هو تنظيمكم المسلح وليس أنتم". منعُ المقابلة هنا يخدم الشرع؛ فهو يظهر "قسد" والجهات الداعمة لها في مظهر "الرقيب" الذي يخشى من وصول الحقيقة للجمهور، مما يعزز سردية دمشق بأن قسد "تختطف" القرار الكردي.
تكتيك "الهروب للأمام"
الشرع، بذكائه المعهود، ربما تعمد "الاختراق من الوسط" بدلاً من "المناورة بالأجنحة". هو لا يريد تبريد الجبهة، بل يريد وضع الجميع أمام استحقاقاتهم. حجب القناة للمقابلة أعطى لدمشق "التفوق الأخلاقي" إعلامياً؛ فها هي الدولة التي تُتهم بالاستبداد تفتح شاشاتها (سانا والإخبارية) لبث المقابلة "الممنوعة" في الخارج، في مفارقة ساخرة تقلب الطاولة على شعارات "حرية الإعلام" الغربية والشرقية.
الخلاصة: المقابلة وصلت لمن يهمه الأمر
التعويل على أن "الهدف فشل وضاعت الغاية" قد يكون قراءة سطحية. في عالم الاستخبارات والسياسة العميقة، أحياناً يكون "الفعل الممنوع" هو الأكثر تأثيراً. الشرع لم يذهب ليعتذر أو يلطف الأجواء، بل ذهب ليضع "القدّوم" في جذر مشروع الفيدرالية.
سواء بُثت المقابلة كاملة أو سُربت مقاطعها، فقد نجح الشرع في إيصال ثلاث رسائل لا يمكن محوها:
الرسالة الاولى : أن دمشق لديها الجرأة لمخاطبة الكرد في عقر دارهم الإعلامي.
الرسالة الثانية : أن سقف التفاوض مع "قسد" هو الصفر، بينما سقف الحقوق للمواطن الكردي هو الدستور.
الرسالة الثالثة : أن "المنع" لم يعد أداة فعالة في زمن المنصات الرقمية، بل هو وقود لانتشار الرسالة.
لقد رمى الشرع بالكرة في ملعب الكرد، وهو يعلم تماماً أن "شمس" قد لا تملك القوة لتحمل حرارة هذه الكرة، لكنه ضمن أن الجميع، من القامشلي إلى أربيل، باتوا يتساءلون الآن: ماذا قال الشرع ليخيفهم إلى هذا الحد؟