مخيم "الهول": صناعة التوحش الممنهج وفساد "الإدارة الذاتية" تحت غطاء الأمن

لا يمثل مخيم "الهول" مجرد تجمع للنازحين أو مراكز احتجاز مؤقتة، بل هو الجرح الغائر في خاصرة الجغرافيا السورية، والمختبر الأكثر خطورة لإنتاج التطرف تحت أنظار العالم. إن التعامل مع هذا الملف لم يعد يحتمل الترف السياسي أو المماطلة الدولية؛ فخلف تلك الأسوار ينمو جيل كامل في بيئة منعدمة الكرامة، حيث يختلط الحرمان الجسدي بالقمع الأمني والابتزاز المالي، مما يحوّل ضحايا الحرب—خاصة الأطفال والنساء—إلى وقود محتمل لصراعات قادمة.

​ 

أولاً: السياق التاريخي والديموغرافي. 

تحول مخيم "الهول"، الذي أُنشئ عام 1991 لإيواء النازحين، إلى ما يشبه "معتقلاً جماعياً" منذ عام 2016. وبحلول عام 2025، تشير أرقام اليونيسف إلى وجود نحو 29,000 مقيم، الغالبية الساحقة منهم من النساء والأطفال (18,000 طفل)، ينتمون لأكثر من 40 جنسية.

ورغم أن قطاعاً كبيراً من هؤلاء المحتجزين لا تربطهم صلة تنظيمية بـ "داعش"، إلا أنهم يخضعون لظروف معيشية لا إنسانية، تتسم بكثافة سكانية خانقة، وانعدام تام للخدمات الصحية والتعليمية، فضلاً عن تقييد الحركة الذي يرقى إلى رتبة الاعتقال التعسفي الطويل الأمد دون محاكمات.

ثانياً: شهادة من الميدان.. كواليس العمل الإغاثي والفساد الممنهج

تُظهر تجربة العمل الميداني داخل المخيم (بين عامي 2019 و2021) أن "الإدارة الذاتية" وأذرعها الأمنية (الأسايش ووحدات حماية المرأة YPJ) حولت الملف الإنساني إلى بوابة للارتزاق والفساد:

 الابتزاز المالي: لم يُسمح للمنظمات المحلية او ابدولية المهتمة بالنساء والاطفال بالعمل إلا تحت مظلة "منظمة المرأة" التابعة للإدارة الذاتية، مع فرض "رشى مغطاة" بصور متعدد صورة رواتب شهرية لموظفات تابعات للإدارة لم يقمن بأي دور حقيقي.

القمع المزدوج: تعيش النساء في المخيم تحت فكي كماشة؛ قمع عناصر "وحدات حماية المرأة" من جهة، وترهيب "نساء الحسبة" التابعات لداعش من جهة أخرى، مما يجعل التعبير عن الرأي أو الاستجابة للدعم النفسي أمراً شبه مستحيل.

فشل إعادة التأهيل: رغم تدفق ملايين الدولارات من المنظمات الدولية، إلا أن عمليات "إعادة التأهيل" كانت صورية فلم تكن لدى المسؤولين عن المخيم اي نية في اعادة تأهيل الاسر والشباب من ساكني مخيم الهول ليبقى عنوانا للرعب الامني وتبقى صورة الارهاب ملازمة حتى يستمر الاهتمام الدولي الذي يترجم الى تدفق الاموال على زعامات وقيادات المخيم .

 الحقيقة الميدانية تكشف عن أطفال يعانون من حرمان شديد من اهم احتياجهم الانسانية ممايحولهم إلى قتلة محتملين أو "متوحشين" تجاه الغرباء، وهم في ظل معاملة أمنية قاسية من "الأسايش" تزيد من نقمتهم على كل من كان خارج تلك الاسوار .

ثالثاً: التحديات والمآلات.. القنبلة الموقوتة

إن تحويل المخيم إلى "قطاعات متناحرة" وبيئة خصبة للتطرف لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج سوء الإدارة والمماطلة الدولية. وتبرز التحديات التالية أمام المجتمع السوري واالدولةوالسورية:

١. فك الارتباط الأيديولوجي: ضرورة التمييز بين "العلاقة العائلية" و"الجريمة التنظيمية"؛ فقرابة الدم لا تشرعن الاعتقال أو سحب الجنسية.

 ٢. الموازنة الأمنية-الإنسانية: الملف يتطلب جراحة دقيقة توازن بين التحقق الأمني وبين توفير حياة كريمة، وهو ما فشلت فيه القوى المسيطرة حالياً.

٣. المسؤولية الدولية: مماطلة الدول في استعادة رعاياها جعلت من المخيم "مظلمة كبرى" تُرتكب بحق مسلمين تحت ذريعة محاربة الإرهاب.


مخيم الهول ليس مجرد أزمة لاجئين، بل هو جريمة مكتملة وجيل كامل وُلد في بيئة مسمومة نفسياً وفكرياً. إن استمرار هذا الوضع يعني انفجاراً مجتمعياً قادماً لا محالة. إن تصحيح هذا المسار يتطلب عملية إعادة تأهيل شاملة تبدأ بإنهاء الفساد الأمني وتحسين ظروف العيش كخطوة إسعافية قبل الدمج أو الترحيل.


إن الانتقال بملف "الهول" من المقاربة الأمنية الصرفة والوصمة الجماعية إلى مربع الاحتواء الإنساني وإعادة التأهيل الحقيقي ليس مجرد فعل "خيري"، بل هو استثمار استراتيجي في السلم المجتمعي. إن استعادة هؤلاء السوريين (وغير السوريين) وإعادة دمجهم وفق أسس تحفظ كرامتهم وتفكك الأيديولوجيا المشوهة التي فُرضت عليهم، هو السبيل الوحيد لإبطال مفعول هذه القنبلةالموقوتة. فالبديل عن الاحتواء هو الانفجار، والبديل عن إعادة التأهيل هو إعادة تدوير العنف الذي دفع السوريون ثمنه غاليًا