حين يتكلم الخشب… مأمون الحلاق وذاكرة المخرطة الدمشقية

بثينة الخليل
الاثنين, 9 فبراير - 2026
السيد مأمون الحلاق ، المصدر: مواقع التواصل
السيد مأمون الحلاق ، المصدر: مواقع التواصل

قبل أن يلمح الزائر ملامح القطعة الخشبية المتشكّلة، يلفته الصوت، صوت إزميل يلامس الخشب بإيقاع قديم ومنتظم، كأنه نبض محفوظ في ذاكرة المكان. في قاعة التراث اللامادي والحرف التقليدية ضمن معرض دمشق الدولي للكتاب، يتشكّل مشهد حيّ يعيد إلى الواجهة واحدة من أقدم الحرف الدمشقية المهددة بالاندثار.


هناك، يعمل الحرفي الدمشقي مأمون الحلاق على مخرطته الخشبية التراثية، مستخدماً القوس والحبل بالطريقة التي سبقت دخول الكهرباء إلى الورش. أكثر من خمسة وخمسين عاماً أمضاها الحلاق في مهنة خراطة الخشب، محافظاً على تقنياتها التقليدية كما ورثها عن الأجيال السابقة.


آلة قديمة وإيقاع جسد

المخرطة التي يعرضها الحلاق تعود إلى زمن ما قبل الكهرباء، وتُدار بتناغم دقيق بين حركة اليد والقدم وتركيز الذهن.

وأوضح الحلاق في تصريح لوكالة سانا أن عملية الخراطة تعتمد على “دف خشبي، وقوس، وحبل، وإزميل، ومسند حديدي، إضافة إلى الجهد الجسدي الكامل للحرفي”، حيث تتكامل حركة الجسد مع التركيز الذهني لإنتاج قطع تراثية تحمل بصمة الصانع وروح المكان.


ومن خلال هذه التقنية القديمة، يصنع الحلاق قطعاً متجذّرة في الذاكرة الشعبية السورية، مثل المهباج وجرن الكبة وأدوات منزلية تراثية أخرى، يحرص على تقديمها بوصفها شاهداً على الهوية الحِرفية الدمشقية، وقطعة تراثية ترافق الزائر إلى مختلف دول العالم.


مهنة في مواجهة الاندثار

خراطة الخشب من الحرف التي عُرفت في دمشق منذ قرون، وارتبطت بالحياة اليومية للبيوت والأسواق. وكانت المخرطة الخشبية التقليدية حاضرة في الأحياء القديمة، حيث اعتمد الحرفيون على الطاقة البشرية والدقة اليدوية في تشكيل الخشب.


وأشار الحلاق في حديثه لوكالة سانا إلى أن هذه المهنة تكاد تنقرض اليوم، مبيناً أنه من القلائل، وربما الوحيد حالياً، الذين يمارسون خراطة الخشب بالطريقة التقليدية في سوريا، في ظل انتشار الآلات الحديثة وارتفاع التكاليف وغياب الدعم الكافي للحرفيين التراثيين.


رسالة ثقافية وهوية مهنية

وأكد الحلاق أن مشاركته في المعارض، ولا سيما معرض دمشق الدولي للكتاب، لا تهدف إلى تحقيق الربح المادي، بل تحمل رسالة ثقافية وحضارية، موضحاً لوكالة سانا: “نحن نتحمّل تكاليف المشاركة، لأن همّنا الأول أن نظهر للعالم أن التراث السوري الأصيل ما زال حيّاً رغم كل التحديات”.


وأضاف أن الحرفي الناجح لا يُقاس بمهارته فقط، بل بإبداعه وأخلاقه المهنية، وهي الصفات التي يُطلق عليها السوريون لقب «شيخ الكار»، لمن يكون قدوة في العمل والسلوك، ويحمل المهنة بوصفها رسالة إنسانية قبل أن تكون مصدر رزق.


مخاطبة الأجيال الشابة

وحول أهمية عرض هذه الحرفة ضمن معرض دمشق الدولي للكتاب، أوضح الحلاق أن الهدف الأساسي هو مخاطبة الأجيال الشابة وتعريفهم بالمهن التراثية التي تشكّل جزءاً من الهوية الوطنية، داعياً الشباب إلى تعلّم هذه الحرف إلى جانب دراستهم الأكاديمية، لأن “المهنة التراثية لا تموت ما دام هناك من يحملها بإخلاص”.


و يقدّم معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الحالية، مساحة ثقافية تتجاوز عرض الكتب والإصدارات الحديثة، عبر أجنحة مخصّصة للحرف التقليدية والعروض التراثية، تسلّط الضوء على أهمية صون الذاكرة الحِرفية السورية، وتقديمها للأجيال الجديدة بوصفها جزءاً من هوية المكان والإنسان.