كلما مرت ذكرى رحيله أتذكر سيرتي معه: كان منزلي قريبا من منزله كنت أمر أمام بابه كل يوم في طريقي إلى مدرستي الابتدائية ولم أعلم أنه بيت شاعرنا الكبير نزار قباني إلا بعد عشرين عاما، في ذاك الوقت كان مدانا من محكمة دمشقية ولاجئا في لبنان بعد نشره قصيدة:"خبز وحشيش وقمر"التقيته أول مرة في فندق في باريس وكنا مجموعة من السوريين المعارضين قد دعوناه لأمسية شعرية في معهد العالم العربي وكانت أمسية ألهبت الحاضرين، وتجمع جمهور غفير خارج المعهد يسمعون شعره بمكبرات صوت. نقرت باب الغرفة ودخلت لتقع عيني على رجل وسيم طويل القامة بقسمات تنبيء ناظرها بأنه أمام شخص ليس بعادي، قلت كنت جارك في دمشق ولم أعلم أنه منزلك إلا بعد عقدين، قلت أتتذكر شجرة الكينا في زاوية شارعنا القريبة من صنبور الفيجة وفرن الخبز "المشروح" والقمر..لم أكمل كلامي حتى لاح على محياه مسحة حزن، عانقني وكادت دمعة تفضح تأثري. في تلك المقابلة الإذاعية (التي احتفظ بها إلى اليوم) قال لي: إن حارتنا في دمشق وبيتي الذي أظلمه إذا شبهته بقارورة عطر تسري في دمي كما تسري مياه بردى في سبعة أنهار في عروق الشام.
هذي دمشق.. وهذي الكأس والراح
إني أحب... وبعـض الحـب ذباح
أنا الدمشقي.. لو شرحتم جسدي
لسـال منه عناقيـدٌ.. وتفـاح
و لو فتحـتم شراييني بمديتكـم
سمعتم في دمي أصوات من راحوا
مآذن الشـام تبكـي إذ تعانقـني
و للمـآذن.. كالأشجار.. أرواح
للياسمـين حقـوقٌ في منازلنـا..
وقطة البيت تغفو حيث ترتـاح
عندما أقمت في لندن ذات يوم قصدت محلات هارودز في زاوية العطور وقعت عيني على شاعرنا يشم عطرا. سلام عليك استاذنا الكبير، نظر إلي وقال هذا عطر الياسمين إني أشم راحة دمشق فللياسمين حقوق في منازلنا..فأكملت البيت، وقطة البيت تغفو حيث ترتاح..ضحك ودعاني لقهوة وقال يا ابن حارتي ما يحركني اليوم هو الحزن، الحزن على ولدي توفيق، وعلى امرأتي بلقيس، وعلى سوريا التي اغتصبها السفاح. في لقاء ثالث كان في صالة أحيا فيها شاعرنا الكبير محمود درويش أمسية شعرية، جلست بجانبه فأمسك بيدي، شعرت بأني قريب من رجل عظيم دمه ينبض شعرا. همس في أذني قائلا: إياك أن تقول عن محمود إذا أجريت مقابلة معه بأنه شاعر فلسطين، فمحمود صار شاعرا عالميا.
في الثلاثين من نيسان 1998 وكنت أعمل في قناة تلفزيونية عربية وقع الخبر الحزين برحيل شاعرنا الكبير، فصممت نشرة إخبارية كاملة عنه وبعنوان واحد: رحيل الشاعر الكبير نزار قباني. لم يكن مدير القناة راضيا وجاءني يوبخني: جعلت من هذا الشاعر أهم من رئيس الدولة (وكانت العادة أن نفتتح نشرات الأخبار بنشاطات رئيس الدولة)، قلت: إنه أهم من كل رؤساء الدول، لأنهم يرحلون ولا أحد يذكرهم، أما نزار كالمتنبي سيبقى مدى الدهر. والمتنبي خلد زعيمين بشعره ولولا شعره لما ذكرهم أحد، سيف الدولة الحمداني الذي قال فيه مديحا: تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم، وكافور الإخشيدي الذي قال فيه هجاء: وتعجبنى رجلاك في النعل إني رأيتك ذا نعل إذا كنت حافيا. ولو أنه حضر اليوم لهجا كل زعماء العرب وقال فيهم: لا الخيل ولا الليل والبيداء تعرفكم ولا السيف ولا الرمح ولا القلم. نظر المدير ألي صامتا وخرج، وتسلمت رسالة إقالتي من العمل. في اليوم التالي. كتبت على جدار مكتبي بالخط العريض: لا تسألوني "متى يعلنون وفاة العرب"، وهي (عنوان قصيدة لنزار) ورحلت بصمت.