الجلاء وعودة الاستعمار

الاحتفالات بعيد الجلاء عن سوريا في العام 1946
الاحتفالات بعيد الجلاء عن سوريا في العام 1946


يصادف يوم 17 نيسان/ ابريل جلاء آخر جندي فرنسي عن أرض سورية في العام 1946. وصدح الشاعر شفيق جبري بالقول: حلم على جنبات الشام أم عيد لا الهم هم ولا التسهيد تسهيد
أتكذب العين والرايات خافقة أم تكذب الأذن والدنيا أغاريد
في هذا اليوم التاريخي بكل معنى الكلمة نالت سوريا استقلالها عن فرنسا، وهذا يوم تاريخي، ولكن ما لا يذكر في مثل هذا اليوم أن سوريا ولأول مرة في تاريخها الطويل الممتد إلى بداية الخليقة تصبح دولة ذات سيادة في حدودها الحالية، فقبل الفرنسيين، كانت تحت حكم العثمانيين، وقبل العثمانيين تحت حكم المماليك، وقبل المماليك تحت حكم الحملات الصليبية، ثم جاء الحمدانيون فالفاطميون، والعباسيون، والأمويون، فالبيزنطيون، فالرومان..وهنا نتحدث عن سوريا الكبرى أي الهلال الخصيب، لكن الاستعمار البريطاني الفرنسي الذي قسمها حسب معاهدة سايكس بيكو سلخ عنها فلسطين، والأردن، ثم لبنان، ولواء اسكندرون، وديار بكر، والموصل..
هذا الاستقلال الذي نالته سوريا كحلم كما قال شفيق جبري يشهد اليوم استعمارا جديدا تحت سيطرة دولة الاحتلال المارقة الغاشمة، التي لم تتوقف اعتداءاتها على سوريا وسائر منطقة الشرق الأوسط منذ إنشائها وزرعها في قلب سوريا في العام 1948. فهي تحتل الجولان بعد اعتدائها السافر في العام 1967 واليوم تتوغل في القنيطرة وتحتل جبل الشيخ، وتقصف وتدمر أي مكان تريد في سوريا دون حسيب أو رقيب، وتحتل فلسطين، وتدمر غزة، وتحتل الضفة الغربية وجنوب لبنان وتدمر بيروت، وتقصف قطر، وإيران وتعلن جهارا نهارا أنها ستحتل كامل سوريا الكبرى وتصل إلى أعماق العراق ومصر والجزيرة العربية. وتريد أن تغير وجه الشرق الأوسط، وكل هذا بدعم وتأييد وتسليح من الدول الغربية قاطبة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعي جميعها الديمقراطية واحترام حقوق الانسان والشعوب، فهل نحن فعلا مستقلون؟ فهل نحن نستأهل الحرية والسيادة كشعوب ودول؟ السؤال مطروح اليوم مع الهجمة الاستعمارية الصهيو أمريكية الشرسة والتي تعتمد على فائض القوة وتعود بالبشرية إلى الحروب العالمية وشريعة الغاب في قلب الموازين لتبقى سائدة على رقاب الشعوب كسيف ديمقوقليطس، إذ يكفي أن يأتي رئيس متغطرس بالقوة والجبروت كأدولف هتلر،، أو دونالد ترامب الذي يقدم نفسه كزعيم أوحد للعالم، و"كالمسيح المنتظر"، يعيث فسادا في الأرض، يخطف رئيس دولة من مخدعه مع زوجته، ويفرض على العالم سيطرته التجارية، ويهدد بضم دول بأكملها لنتيقن أنه يكفي في هذه الديمقراطيات الغربية التي أشعلت حربين عالميتين واحتلت العالم اقتصاديا وسياسيا، تستمر اليوم في سياساتها في تركيع الشعوب وسرقة خيراتها وخبراتها وسلبها حريتها واستقلالها وسيادتها متى استطاعت. ولا راد لهذا الاستعمار الجديد إلا ببناء النفس، والقوة مقابل القوة، والتقدم إذا أردنا فعلا أن تكون دولنا ذات سيادة ومستقلة، وتتمتع بالحرية والرخاء،