الإعلام السوري المتعثر

صحف سورية
صحف سورية


لم يكن يتوقع مخترع المطبعة يوهان غوتنبرغ عام 1553 أن اختراعه سيكون السبب في انطلاق أول وسيلة إعلامية جماهيرية: الصحافة. ففي عام 1636 أنشأ الفرنسي تيوفيل رونودو أول صحيفة باسم “لا غازيت”، أي بعد ثمانين عاما تقريبا من اختراع المطبعة. هذه المطبعة اصطحبها نابليون بونابرت معه في غزوه لمصر عام 1798 وهناك ولدت أول صحيفة في العالم العربي باسم “العشرية المصرية” بالفرنسية، وبعد فشل الحملة الفرنسية على مصر وتدمير الأسطول الفرنسي من قبل الأسطول البريطاني، ترك نابليون كل معدات الحملة وعاد إلى فرنسا على بضع سفن فقط.
هذه المطبعة التي تحولت فيما بعد إلى مطبعة بولاق، قام محمد علي باشا بإصدار أول صحيفة عربية باسم “الوقائع المصرية” عام 1828 أي بعد قرنين تقريبا من صحيفة “لا غازيت”. وبعد ثلاثة عقود ونيف صدرت أول صحيفة سورية باسم “سورية” وهي صحيفة رسمية، وأصدر الحلبي رزق الله حسون صحيفة “مرآة الأحوال” في إسطنبول لنشر أخبار حرب القرم، و”نفير سوريا” لبطرس البستاني، ثم صحيفة “دمشق” لعزة باشا العابد. وانتشرت الصحف فيما بعد بشكل كبير في كل المدن السورية، منها ما كان مواليا للسلطنة العثمانية، ومنها ما كان مناهضا.
وصدرت مجموعة من الدوريات المتخصصة أيضا بالمرأة والطب والدين.. منها الزهرة، المهماز، مجموع فوائد، مجموع علوم، المقتطف، الطبيب.. ومن الموضوعات التي كانت مطروحة بشكل دوري في الصحافة السورية: حرية الرأي والتعبير، الاستقلال عن السلطنة العثمانية، تحسين الأوضاع المعيشية، معارضة خدمة الشباب السوري في الجيش العثماني. وكان عبد الرحمن الكواكبي قد أنشأ صحيفة “الشهباء” ثم صحيفة “عتدال” اللتين نشر فيهما، حسب بعض الباحثين، جزء من كتابه الشهير “طبائع الاستبداد”، لكن بعد انقلاب 1908 وتنحية السلطان عبد الحميد ازدهرت الصحافة، وصدرت مطبوعات جديدة منها “المقتبس” في دمشق و”التقدم في حلب”، وصدرت بعض الصحف الهزلية منها “حط بالخرج”، “ضاعت الطاسة”.
لكن العلة في مجموعة هذه الصحف والمجلات، يكمن في تضييق السلطات العثمانية على الصحافة ومراقبتها عن كثب، وفرض عقوبات عليها وإغلاق بعضها، ووضع قاموس من الكلمات التي يمنع تداولها في الصحف (انفجار، جمهورية، انقلاب، ديناميت، فوضى، رئيس…) وتفشي الأمية بشكل كبير، فبقيت هذه الصحافة تقتصر على الطبقة المثقفة في المدن الكبرى، وهذه الطبقة نفسها كانت محدودة. ضف إلى ذلك انعدام وجود شبكة مواصلات تؤمن توزيع الصحف في انحاء البلاد، ولهذا بقيت حبيسة المدن الكبرى حيث توجد المطابع، والورق، والكتاب، والصحافيون. والطبقات المثقفة. ومع سقوط السلطنة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، دخلت سوريا مرحلة جديدة تمثلت بالانتداب الفرنسي، والانتداب البريطاني، حسب اتفاقية سايكس ـ بيكو فكانت فترة تشكلت فيها الأحزاب السياسية، واندلعت خلالها الثورة السورية عام 1925 ضد الاستعمار الفرنسي، كل هذه الأحداث واكبتها صحافة جديدة أكثر خبرة واحترافا ساندت الثورة والتحرر من الاستعمار الجديد، والتنديد بوعد بلفور في توطين اليهود في فلسطين، كانت هناك تيارات سياسية مختلفة، ومتضاربة أيضا، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع تركيا، والغرب بشكل عام، فهناك فئة من الشعب السوري بقيت محافظة على فكرة الخلافة الإسلامية، وفئة أخرى كانت ترى أنه للخروج من التخلف لابد من الانخراط مع الغرب واعتماد العلمانية، أي فصل الدين عن الدولة على مبدأ “الدين لله والوطن للجميع”، وبشكل عام كانت التيارات القومية قد بدأت بالتشكل. ففي عام 1919 تم جلاء آخر جندي تركي من سوريا، وهذا رافقه إصدار صحف جديدة تختلف في رؤيتها وتعاطيها للأحداث، خاصة أن خلال عهد الملك فيصل شكلت دمشق مركزا للحركة القومية، لكن سرعان ما اختلف الأمر بعد رحيله إلى العراق، واحتلال سوريا من قبل الجيش الفرنسي، بعد معركة ميسلون في 24 يوليو 1920 وبدء مرحلة الانتداب الفرنسي، التي لم تكن أفضل حالا بالنسبة للصحافة التي وقعت مرة أخرى تحت نير الاستعمار والاضطهاد، خاصة بعد الثورة السورية عام 1925، حيث قامت السلطات الفرنسية بمنع بعض الصحف من الصدور كصحيفتي “الأيام” و”القبس”. وصدرت عشرات الصحف في أنحاء المدن السورية منها (صدى سوريا، الشعب، النهضة، صوت الفرات، النور، التجديد، الجبل)، وبقيت الصحافة السورية في عهد الانتداب بين كر وفر من المصادرة، أو الإغلاق، ودفع غرامات كبيرة. لكن هذه الفترة انتهت برحيل الجيش الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية عام (1946).. وهذا العام الذي نالت فيه سوريا استقلالها يعتبر حدثا تاريخيا فريدا، إذ لأول مرة تصبح سوريا دولة بحدودها الحالية التي رسمها الاستعمار، والتي ورثت عن الاستعمار الفرنسي نظامه السياسي (نظام جمهوري برلماني)، بمجلس شعب منتخب.
الشعب السوري لم ينعم يوما بصحافة تمنحه حرية الرأي والتعبير من عمر الصحافة السورية الذي يمتد إلى زهاء قرن ونصف القرن خلا ومضات للحرية لا تتعدى سنواتها أصابع اليد
وهنا بدأت الفترة الذهبية للصحافة الحرة، إذ صدر ما لا يقل عن خمسين صحيفة ومجلة في بلد صغير لا يتجاوز عدد سكانه ثلاثة ملايين نسمة مع تفشي الأمية، وبروز التيارات القومية كحزب البعث، والقومي السوري الاجتماعي، والحزب الشيوعي، والإخوان المسلمين، إلى جانب الكتلة الوطنية التي وصلت إلى السلطة برئاسة شكري القوتلي. لكن هذه الفترة الذهبية لم تدم طويلا، ففي مارس 1949 قام حسني الزعيم بأول انقلاب عسكري، سيفتح الباب واسعا للانقلابات العسكرية على خلفية حرب النكبة وإنشاء دولة إسرائيل، فخلال الفترة ما بين 1949 و1954 وقعت ثلاثة انقلابات عسكرية متتالية (حسني الزعيم، فوزي سلو، أديب الشيشكلي)، فدخلت الصحافة من جديد في صراعات مع السلطة العسكرية، وتم قمع الحريات ودخلت سوريا في حالة من التأرجح، وبعد تنازل الشيشكلي عن السلطة والرحيل عن البلاد، عادت الحياة السياسية الحزبية والبرلمانية من جديد وتم تنصيب الرئيس شكري القوتلي مجددا، وفي هذه الفترة التي لم تدم أكثر من ثلاث سنوات عرفت الصحافة السورية طفرة كبيرة وتمتعت بكثير من الحرية، فواكبت الأحداث السياسية الكبرى التي عصفت بمصر بعد حرب السويس، ووقفت سوريا إلى جانبها. ما أعطى زخما كبيرا للحركة القومية، وعادت الصحافة إلى سابق عهدها تحت حكم الكتلة الوطنية، ولكنها لم تدم طويلا ففي عام 1958 تمت الموافقة بين مصر وسوريا على الوحدة الاندماجية بين البلدين التي كان من نتائجها منع الصحافة الخاصة، وامتلاك الدولة للصحافة، وإلغاء جميع الأحزاب (كانت هذه شروط الرئيس جمال عبد الناصر)، لم تستمر الوحدة المصرية السورية طويلا، ففي عام 1961 قام الجيش مرة أخرى بانقلاب عسكري وتم الانفصال عن مصر. وعادت الحياة النيابية إلى سوريا وانتخب الرئيس ناظم القدسي، وعادت الصحافة الحرة إلى سوريا، لكن الفرحة لم تستمر أكثر من عامين، ففي مارس 1963 وقع انقلاب حزب البعث الذي أدخل سوريا في نفق مظلم بمنع تشكيل الأحزاب واعتماد ما سمي بالحزب القائد (البعث) تدور في فلكه أحزاب أخرى، وتم تعطيل جميع الصحف، وأصبحت الصحافة حكرا على الدولة (صحيفتا البعث والثورة)، في فترة الستينيات كان القمع والتسلط وتكميم الأفواه، فلا صوت سوى صوت الدولة ولم يكن أحد يتجرأ على الحديث حول الأحداث الجسام التي مرت بسوريا، خاصة النكسة وخسارة الجولان. وانقلاب حركة 23 شباط التي انقلبت على الرعيل المؤسس لحزب البعث وبدأ تطويف الجيش.
وجاء انقلاب حافظ الأسد عام 1970 ليختتم الانقلابات العسكرية وتدخل سوريا حقبة سوداء قاتمة لنصف قرن ونيف من قمع الحريات وتقييد الصحافة التي اقتصرت على ثلاثة صحف (البعث، الثورة، تشرين) ثم أضيفت لها صحيفة “الوطن”. وهي أصوات رسمية لتمجيد القائد، وتجميل النظام. ولم يختلف الأمر مع الوريث بشار الأسد، بل كان الوضع أسوأ بكثير (تم إصدار صحيفة ساخرة للفنان علي فرزات بعنوان الدومري لم تستمر طويلا وتم فيما بعد الاعتداء على فرزت وتهشيم أصابعه).
وهكذا نرى أن الشعب السوري لم ينعم يوما بصحافة تمنحه حرية الرأي والتعبير من عمر الصحافة السورية الذي يمتد إلى زهاء قرن ونصف القرن خلا ومضات للحرية لا تتعدى سنواتها أصابع اليد، بعد التحرير نهاية 2024 دخلت سوريا مرحلة جديدة فقامت وزارة الإعلام بإصدار مدونة السلوك الإعلامي وأصدرت صحيفة الثورة السورية (رسمية)، ولحد الآن لم تصدر صحف خاصة، بل هناك عشرات الطلبات لترخيص صحافة حرة خاصة ما زالت قيد الدرس. والشعب السوري يتطلع اليوم إلى عهد جديد يتمتع فيه الصحافيون بحرية الرأي والتعبير، وإصدار صحف خاصة ومنحها التراخيص اللازمة، دون مضايقات. وتشكيل أحزاب جديدة، وبناء دولة مؤسساتية ديمقراطية يتمتع فيها الفرد بالحرية والكرامة والمساواة.
كاتب سوري