(عن القدس العربي)
لو لم تقع واقعة طوفان الأقصى، لربما أوجدوا ذريعة أخرى لشن حرب شرق أوسطية ليس ضد إيران فحسب، بل لتشمل كامل الشرق الأوسط بهدف مخطط له منذ عقود: تحقيق الهيمنة الإسرائيلية لبدء مشروعها الذي تنادي به منذ نشأتها، وهو قيام دولة إسرائيل الكبرى. الحرب على إيران لم تأت نتيجة حلم راود دونالد ترامب ذات ليلة، بل كان يقصدها منذ زمن بعيد (تعود أقدم المواقف المسجلة لدونالد ترامب بشأن المواجهة العسكرية مع إيران إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما علق على أزمة الرهائن الإيرانية في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» البريطانية عام 1988 قال: «إذا أُطلقت رصاصة واحدة على رجالنا أو سفننا، فسأوجه ضربة قاضية لجزيرة خرج وأسيطر عليها».
هذه الحروب تم التخطيط لها منذ أكثر من عقدين، ضمن خريطة أوسع تشمل أكثر من دولة شرق أوسطية. (في تصريح للجنرال الأمريكي المتقاعد ويسلي كلارك حول خطط البنتاغون قبل عشرين عاما للسيطرة على 7 دول في الشرق الأوسط في عام 2007، ويروي كيف أن مسؤولا في هيئة الأركان في عام 2001 كشف عن مخطط استراتيجي سري لوزارة الدفاع الأمريكية لمهاجمة وتدمير 7 دول في غضون 5 سنوات والدول المقصودة هي العراق وسوريا ولبنان وليبيا والصومال والسودان وإيران) فبعد إسقاط النظام العراقي، الذي كان ينادي به بنيامين نتنياهو بذريعة كاذبة تؤكد امتلاكه لأسلحة دمار شامل، جاء دور إيران بالذريعة ذاتها لكنها اختلفت عن العراق كون إيران أكبر دولة في الشرق الأوسط، وتمتلك قدرات عسكرية أثبتت نجاعتها ضد التحالف الصهيو أمريكي.
لكن قبل الوصول إلى إيران كانت الحرب خلال السنتين الماضيتين قد شملت كلا من لبنان وفلسطين وسوريا واليمن، وتوسعت إلى إيران في حرب الـ12 يوما، ولا تزال هذه الدول في حالة حرب بعد الهجمة الثانية على إيران. وتقف السلطة السورية من هذه الحرب موقف المتفرج، من دون اتخاذ أي موقف منها مع أن سماء سوريا مفتوحة أمام الطيران الإسرائيلي والصواريخ الإيرانية، خاصة بعد دخول حزب الله المعركة، إذ أرسلت دمشق تعزيزات عسكرية لحماية الحدود السورية وعدم تهريب الأسلحة (وكانت وكالة رويترز قد نشرت تقريرا يقول إن واشنطن طلبت من دمشق التدخل عسكريا لنزع سلاح حزب الله، لكن الرئيس الشرع كان مترددا).
لكن التحديات كبيرة، والأخطار أكبر، لا تشمل سوريا فحسب بل دول الشرق الأوسط مجتمعة أمام الهجمة الصهيو أمريكية الشرسة
سوريا في ظل النظام الجديد تبدو الحلقة الأضعف في مواجهة الإعصار الشرق أوسطي، لأسباب عديدة أولها عسكرية. فمنذ اليوم الأول للتحرير في 8 ديسمبر 2024 وسقوط نظام بشار الأسد قامت دولة الاحتلال بتدمير كل القدرات العسكرية السورية، التي تركها النظام المخلوع بأكثر من 200 غارة، ثم تنكرت لاتفاقية فصل القوات الموقعة في العام 1974 وتوغلت في الأراضي السورية، وأعلنت أنها ستحتلها بذريعة أمنها (قامت دولة الاحتلال بأكثر من 1200 توغل وقتلت عشرات السوريين)، ولم يقم النظام الجديد بأي مقاومة، أو مواجهة مباشرة (بل إن التصدي لجيش الاحتلال جاء من السكان كما حصل في بيت جن، الذي قامت به الأهالي بمواجهة قوة عسكرية متوغلة، وحققت ست إصابات بجنود العدو) والتوغلات أصبحت شبه يومية وكأن الأراضي السورية مستباحة وحدودها في الجولان لم تعد محمية. وقد صرح الرئيس السوري أحمد الشرع بأن ما «تحتاجه سوريا هو إعادة البناء وليس الدخول في حروب»، وقد تمت عدة لقاءات مباشرة مع وفود من دولة الاحتلال بوساطة فرنسية في باريس، ولم تصل هذه اللقاءات إلى اتفاق يضمن عدم الاعتداءات المتكررة على سوريا، هذه التوغلات التي باتت شبه روتينية، لم تعد تثير ردود فعل أو مواجهة جدية، ولا تمثل مادة إخبارية تتناولها وكالة الأنباء السورية (سانا). ولا تبدي الإدارة الأمريكية أي اهتمام بها وتركت الحبل على غاربه، كما يحصل في التوغلات الإسرائيلية في جنوب لبنان واحتلال عدة مناطق وتدمير القرى وتهجير سكانها، وجاء تصريح وزير دفاع دولة الاحتلال يسرائيل كاتس باحتلال جنوب لبنان، ليؤكد أن المخطط لا يزال ساري المفعول، وأكده السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي بقول أثار ضجة كبيرة، (لا بأس إذا استولت إسرائيل على كامل أراضي الشرق الأوسط، متحججاً بنصوص دينية توراتية من العهد القديم لتبرير خطة إسرائيل الكبرى)، وفي تصريح آخر للمبعوث الأمريكي توماس براك قال: لا يوجد شرق أوسط، بل قبائل وقرى، والدول القومية في المنطقة نشأت من خلال اتفاقية سايكس بيكو»، وبمفهوم آخر يعتبر أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة غير القائمة على القبلية، في مغالطة كبيرة فالدولة اليهودية ليست سوى شتات، وأعراق مختلفة قاسمها المشترك الدين اليهودي، والعقيدة الصهيونية. وتعتبر سوريا البوابة الأولى في تنفيذ المشروع الصهيوـ أمريكي، فهي الخاصرة الرخوة بين دول الشرق الأوسط وأضعفها حاليا عسكريا، وبسبب وضعها الداخلي بمطالبة بعض فئات مكونات الشعب السوري بالانفصال عن الدولة الأم، مستغلين حماية إسرائيل التي تسعى من خلال هذه المكونات تفكيك سوريا ليسهل ابتلاعها قطعة قطعة. ففي جبل العرب (الدروز جنوب سوريا) يتزعم شيخ العقل حكمت الهجري حركة انفصالية تحت مسمى دولة «جبل باشان» وهي تسمية توراتية، ويرفع علم إسرائيل ويلقى الدعم منها، وقامت بقصف مبنى قيادة الأركان في دمشق، ردا على مواجهات وقعت في السويداء بين قوات سورية ومسلحين دروز، ودعا الشيخ ليث البلعوس المناوئ لمشروع الهجري مؤخرا في بيان يدعو فيها إلى وحدة التراب السوري واللحمة بين مكونات الشعب السوري، ولم تتمكن الحكومة المركزية إلى الآن من بسط سيطرتها على منطقة جبل العرب.
وفي الشمال وبعد سيطرة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» على ربع مساحة سوريا، وإعلان الحكم الذاتي بعد اندلاع الثورة السورية ضد حكم المخلوع بشار الأسد، قامت القوات السورية بتحرير هذه المساحة الواسعة بمواجهة مسلحة مع «قسد» انتهت بتوقيع اتفاق ينص على (دمج كل المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية، واستلام الحكومة السورية كامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، وتأمين حمايتها، إضافة إلى «دمج كل العناصر العسكرية والأمنية لقسد ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السورية)، لكن هناك من لا يزال يحرض على رفض السيادة السورية، إذ وقعت مؤخرا محاولة لرفع العلم الكردي، وخلع العلم السوري عن الأبنية الرسمية في القامشلي وعين العرب. وإسرائيل تدعم الحركة الانفصالية الكردية منذ زمن بعيد. أما المنطقة الغربية من الساحل السوري (جبل العلويين)، ورغم سقوط نظام الأسد وهروبه مع المئات من ضباطه لا يزال هناك من يرفض السلطة في دمشق، وكان الشيخ غزال غزال (رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى) دعا إلى اعتصامات ضدّ سلطة دمشق عقب توتر أمني في مدينة حمص في 24 نوفمبر، وقال «سلمنا السلاح لسلطة أمر واقع إرهابية تكفيرية إقصائية جعلت المكون السني أداة سياسية استخدمته ضد أي صوت يندد بالظلم»، وطالب بالفيدرالية واللامركزية السياسية.
من جانب آخر يعترض الكثير من السوريين على بعض قرارات الدولة التي لا تمت بصلة إلى الشعب السوري كقرار منع «الماكياج» للنساء في الإدارات، ومنع لبس البكيني على الشواطئ، وحظر بيع الكحول والسماح به في الأحياء المسيحية فقط، ويضاف إليها التذمر العام من غلاء الأسعار، والمحروقات والكهرباء، التي على إثرها أصدر الرئيس احمد الشرع مرسوما برفع رواتب الموظفين بنسبة 50 في المئة. هذه العوامل مجتمعة تجعل الوضع في سوريا متأرجحا رغم الجهود الكبيرة التي تقوم بها الحكومة السورية سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا. لكن التحديات كبيرة، والأخطار أكبر، لا تشمل سوريا فحسب بل دول الشرق الأوسط مجتمعة أمام الهجمة الصهيو أمريكية الشرسة.
كاتب سوري