ليتني شمعة في الظلام

الكاتب في جلسة سمر في منزل الشاعر الكبير محمود درويش
الكاتب في جلسة سمر في منزل الشاعر الكبير محمود درويش


قالها محمود درويش وسمعت منه جهارا وجها لوجه يقول في أمسية في قاعة اليونيسكو في باريس
 أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي وتكبر في الطفولة
يوماً على صدر يوم
وأعشق عمري لأني
إذا مت،
أخجل من دمع أمي.
تذكرت طفولتي في ذاك البيت الطيني العتيق على أعلى نبكة في القلمون بجانب مسجد توخز مئذنته المنتصبة كقلم رصاص كل سحابة عابرة، وأمي على التنور تخرج أرغفة كأقمار مقمرة برائحة القمح المحروق تعبق المكان.
كنت ألتقيه فيقول لي أيها الدمشقي لا تسألني لماذا أحب دمشق
ففي دِمَشْقَ،
يُواصل فِعْلُ المُضَارِع
أَشغالَهُ الأُمويَّةَ:
نمشي إلى غَدِنا واثِقِينَ
من الشمس في أَمسنا.
نحن والأَبديَّةُ،
سُكَّانُ هذا البَلَدْ
وأتذكر دمشق والمسجد الأموي القريب من بيتي الدمشقي وهديل الحمام وصوت المؤذن فجرا، وبائع الفول على كتف حارتي، وشجرة الكينا المعمرة في منعطفها، وسيف جدي الصديء المصلوب على الجدار تسكنه العناكب وأنا في باريس. في منزله في ساحة الدائرة السادسة عشرة
أمسك بيده التي لا تفارقها رائحة التبغ الذي جنى على قلبه. أشعر بنبض الشعر بين أصابعه، أحس بميلاد قصيدة اكتملت نموا في أحشائه. ذات يوم، استقليت أول قطار إلى لندن لأكون في الصف الأول من المستمعين إلى أمسيته الشعرية. تلك الليلة كان الشعر يتفجر في حنجرته:
إلى أين تأخذني يا أبي؟
إلى جهة الريح يا ولدي
يا ابني تذكّرْ! هنا صلب الإنجليزُ
أباك على شوك صبارة ليلتين،
ولم يعترف أبداً. سوف تكبر يا
ابني، وتروي لمن يرثون بنادقهم
سيرة الدم فوق الحديدِ …
ـ لماذا تركت الحصان وحيداً؟
ـ لكي يؤنس البيت ، يا ولدي ،
فالبيوت تموت إذا غاب سكانها …
هكذا ماتت بيوتنا كبيوت الفلسطينيين لأننا غبنا عنها، وهم غابوا عنها، قهرا وقسرا. وحملنا مفاتيحها التي علقت على جدران النسيان. في الخرطوم كان لي عمل هناك هتف لي، قال تعال غدا إلى أمسيتي الشعرية في جامعة أم درمان، كنت أول الحاضرين، كان عائدا من عملية جراحية لقلبه المتعب، المتخم بالحنين إلى فلسطين، يمشي وئيدا بكبرياء الصمود. ذاك المساء ألهب الحاضرين:
آه يا جرحي المكابر
وطني ليس حقيبة
وأنا لست بمسافر
إنني العاشق
والأرض حبيبة
اصطحبني إلى فندقه تناولنا "العشاء الأخير" ورحل إلى فلسطين. تبعته بعد شهرين في عمل لي في رام الله زرته في البيت الثقافي الفلسطيني الذي كان يديره، طل من الباب بجسد هزيل محني قليلا كسنبلة مليئة حان حصادها. كان ذلك في صيف 2008 بعد شهرين أو أكثر قليلا وصلني الخبر فبكيت كما بكيت على كل عزيز، رحل شاعر فلسطين، وصمود أمة بأكملها. مات محمود الذي كبرت فيه الطفولة ولم يخجل من دمع أمه لأنها لم تحضر المأتم الحزين لكن دموع الملايين كانت حاضرة. وقفت على ضريحه في ساحة صممت له وأخذت اسمه، على شهادة جدثه كتبت عبارته الشهيرة
عَلَى هَذِهِ الأرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ: عَلَى هَذِهِ الأرضِ سَيَّدَةُ
الأُرْضِ، أُمُّ البِدَايَاتِ أُمَّ النِّهَايَاتِ. كَانَتْ تُسَمَّى فِلِسْطِين. صَارَتْ تُسَمَّى
فلسْطِين. سَيِّدَتي: أَستحِقُّ، لأنَّكِ سيِّدَتِي، أَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ.
وضعت باقة الورد ومشيت إلى اللا أين، إلى اللا مكان واللا زمان، أحلم بأرض الشام كلها، أرض تضج فيها رسالات السماوات، وشعوب مثقلة بهموم التاريخ، والزود عن الجغرافيا، وتحبل التربة بأبطال تلدهم ثم تضمهم كأم رؤوم، عليها أيضا ما يستحق الحياة وعليها أيضا ما يستحق الموت.
في ذكرى ميلاد الشاعر الكبير محمود درويش
13 آذار/ مارس 1941 ـ 9 آب / أغسطس 2008