الصهيونية المسيحية والمسألة الفلسطينية

صورة تعبيرية عن الترابط بين المسيجية الانجلية واليهودية
صورة تعبيرية عن الترابط بين المسيجية الانجلية واليهودية


الصهيونية المسيحية هي تيار من المسيحية الإنجيلية التي تؤمن بأن نشوء دولة إسرائيل هي تحقيق نبوءة توراتية وتهيء لعودة االمسيح وانتصار الرب على قوى الشر. هذا التيار الديني الصهيوني يتطور في الولايات المتحدة حيث يدعمه تيار اليمين السياسية، ومجموعات مسيحية أخرى لأهداف غير دينية، في الوقت الذي سينج كل اليهود الذين يعتنقون المسيحية .تم إنشاء منظمة "اتحاد المسيحيين من أجل إسرائيل" في العام 2006 والتي استطاعت ان تضم اكثر مليون عضو في صفوفها بفضل زعيمها القس جون هاجي (Jhon Hajee) الذي يسعى لتوحيد جهود المسيحيين واليهود من أجل إسرائيل، وهنا يختلط الدين بالسياسة ولا يفصلهما سوى خيط رفيع. احدى تجليات التيار هو الحض على الحج باتجاهين: القدس وواشنطن. والحج إلى القدس تعود جذوره إلى نهاية القرن التاسع عشر عندما بدأ الرحالة المسيحي توماس كوك بتنظيم أول رحلة حجيج إلى القدس التي كانت الانطلاقة الأولى لمواسم الحجيج إلى القدس. ومع إنشاء إسرائيل عمل الزعماء الأولون على تسيس الحجيج، وبفضل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية المتينة قامت واشنطن بفتح قنوات تواصل للحجاج المسيحيين المتصهينين مع الساسة الإسرائيليين، ومنذ العام 1977 اتخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن على تشجيع التيار المسيحي المتصهين لتنظيم وتطوير رحلات الحج إلى القدس، ومنذ العام 1996 أخذ رئيس الوزراء المنتخب بنيامين نتنياهو على عاتقه لتطوير وتشجيع التيار المسيحي المتصهين لزيارة القدس بهدف التأثير على الساسة الأمريكيين، وهكذا تحول التيار المسيحي المتصهين أداة مستخدمة سياسيا للضغط على الإدارات الأمريكية، واقتصاديا يدعم الاقتصاد الإسرائيلي بعد أن بلغ عدد مؤيديه في أمريكا أكثر من 40 مليون مسيحي متصهين. يضاف إليهم المسيحيون الأوربيون من كاثوليك وأورثوذكس وبروتستانت، الذين يتخذون مواقف مشابهة ولكن بأعداد أقل. بدء من نابليون بونابرت أثناء حملته على مصر وأثناء وجوده في فلسطين حيث قال:"هذه الأمة الفريدة التي خلال آلاف السنين قام الطغيان بسلب أراضي أجدادها لكن ليس بوجودها واسمها ليجتمعوا جميعا تحت العلم لاستعادة القدس القديمة". وانضم أليه الكثير من كبار المفكرين والكتاب كمستشار نابليون الثالث إرنيست لاهاران، والأديب فرانسوا رينيه دو شاتوبريان الذي زار القدس وقال في كتابه "طريق باريس القدس" عندما نرى اليهود مبعثرين في الأرض.. يجب أن نراهم ثانية في القدس..يجب على ملك ما أن يحررهم"ا، وفي بريطانيا نرى لورد بايرون، ولورانس أوليفانت، وجورج إليوت يدافعون عن عودة اليهود إلى فلسطين هؤلاء كانوا جيل الصهاينة المسيحيين قبل حتى ولادة الصهيونية. بعد عشرات السنين تحولت الدعوات لعودة اليهود إلى هجرات منظمة من الصهيونية العالمية، والصهيونية الوافدة إلى فلسطين مدعومة بالمال والسلاح. لم تعد المسألة تندرج بالرحمة والشفقة على شتات اليهود بل تحولت الى عقيدة سياسية تجمع اليهود تحت راية الصهيونية المبنية على معطيات دينية هدفها الاستيلاء على الأرض بقوة السلاح ودعم الصهيونية المسيحية في الغرب بشكل عام وأمريكا بشكل خاص وإنشاء دولة إسرائيل. من المنظمات المسيحية المختلفة الداعية لذلك يمكن أن نشير إلى منظمة "اللجنة المسيحية من أجل فلسطين" كتبت في العام 1947 للرئيس الأمريكي هاري ترومان وللرأي العام الأمريكي:" الرجال والنساء الشجعان المنضوون تحت علم المقاومة في فلسطين.. هم أبطال تاريخ الغد الذين سيقتلعون معاداة السامية ويقدمون اليهود إلى العالم المسيحي كمحاربين من أجل التحرير الوطني". الضابط النيقوسي المسيحي شارل وينغيت (Charles Wingate) قام خلال فترة ثلاثينيات القرن الماضي إعمال عسكرية ضد الفلسطينيين، وقام بتدريب أولى عصابات الصهاينة (هاغانا، شتيرن،) والتي خرجت قادة عسكريين مثل ياكوف دوري، وموشي ديان. وخلال الحرب العالمية الثانية تم تشكيل ما يسمى ب"الماحال" (Mahal) وهي فرقة جميع منتسبيها من الأجانب المسيحيين المنخرطين في الدفاع عن المشروع الصهيوني منهم الفرنسي "ثادي ديفر" الذي شارك في حرب النكبة على رأس كتيبة أحتلت بئر السبع. وقامت إسرائيل بإنشاء نصب تذكاري له في العام 1995. والفرنسي روجيه تورييز ( قتل في حرب النكبة)، والبريطاني توماس ديريك بودوين، والأمريكي لاري غرال. الصهيونية المسيحية لا تهدف إلى الاستيطان المسيحي في فلسطين ودعم اليهود بكل الوسائل لاحتلالها بهدف لاهوتي وهو استعجال عودة المسيح الذي سيكون مفيدا لليهود والمسيحيين على حد سواء وخاصة الملحدين منهم. فما بين العامين 1994 و 2002 قامت الحركة الصهيونية المسيحية الأمريكية "الصداقة الدولية المسيحية اليهودية" (international fellowship of chrisian and jews) بجمع تبرعات بملايين الدولارات لتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وقامت منظمة أخرى باسم مسيحيون من أجل إسرائيل/أمريكا (christians for Israel/América) منذ العام 1991 بتهجير حوالي 65000 يهودي من الاتحاد السوفييتي السابق. وقد نشأت في أمريكا منظمة الأيباك American Israel Public Affairs) committee (AIPAC),التي تعتبر أقوى لوبي يهودي صهيوني يدعم المسيحية الصهيونية، ولها سيطرة قوية على أعضاء الكونغرس الأمريكي، وبرز في ستينيات القرن الماضي في أمريكا تيار المحافظين الجدد المتأثر بأفكار الفيلسوف اليهودي ليو شتراوس، والذين يؤمنون بنشر السلام بالقوة العسكرية، وقد برز منهم الرئيس جورج بوش الإبن، وبول وولفتز، وأليوت أبرامز، وبول بريمر الذين قاموا بشن الحرب على العراق لدعم إسرائيل بحجة امتلاك العراق لسلاح نووي، وتتكرر القصة اليوم مع إيران بنفس الحجة وذلك اكتمالا لنظرية اليهودي الصهيوني (الاحتواء المزدوج للعراق وإيران) مارتن أنديك. ومعظم الرؤساء الأمريكيين هم صهاينة مسيحيين وقد صرح الرئيس جو بايدن علانية بأنه صهيوني، وفي الإدارة الحالية هناك أكثر من عضو من الصهاينة المسيحيين بدءا من الرئيس دونالد ترامب الذي صرح بأنه أكثر رئيس أمريكي ساعد إسرائيل (نقل سفارة أمريكا إلى القدس، والموافقة على سيادة إسرائيل على الجولان السوري إذ صرح مؤخرا بأنه وهب إسرائيل الجولان السوري الذي يقدر بتريليونات الدولارات مجانا ) ووزير الدفاع بيت هيغست الذي صرح لجنوده:" إن شعار فصيلتي الأولى المهمة الوحيدة لوزارة الحرب هي خوض الحروب، إننا مدينون لجمهوريتنا بجيش يفوز بأي حرب نختارها أو تفرض علينا" (تغاضى طبعا عن هزيمة أمريكا في فيتنام وأفغانستان)، ويقول في كتابه الصادر في العام 1920 "الحملة الصليبية الأمريكية" لحظتنا الحالية تشبه القرن الحادي عشر... لا نريد القتال، ولكن، مثل مسيحيينا منذ ألف عام، يجب أن نقاتل. نحن بحاجة إلى حملة صليبية أميركية نحن المسيحيين – جنبًا إلى جنب مع أصدقائنا اليهود وجيشهم الرائع في إسرائيل..إسرائيل تجسد روح حملتنا الصليبية الأمريكية". في أوربا تم إقران اليهودية بالمسيحية في بداية القرن التاسع عشر بمفهوم :"الحضارة الأوربية حضارة يهودية ـ مسيحية" هذا المفهوم صار يندرج ضمن كلام السياسيين دون استثناء منذ بدء فكرة الصهيونية اليهودية التوطين اليهودي في فلسطين والتي جسدها الوزير البريطاني المسيحي في "وعد بلفور"، وازدادت انتشارا بعد قيام دولة إسرائيل (هذا المفهوم سنبحثه في مقال لاحق)، وسنت قوانين تجرم معاداة السامية (التي انحصرت باليهود)، واستغلتها إسرائيل في كل مناسبة لتتهم بها أي انتقاد موجه لها مهما كان يصدر عن مسؤول أو دولة. اليوم وبعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر بدأ ظهور تيار معاكس في أوربا وأمريكا مع جيل الشباب الجديد، وكتاب ومفكرين يفتحون بابا جديدا عريضا في قلب هذه المفاهيم يصعب إغلاقه وهذا ما يخيف الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية. .
رياض معسعس