أميرة جبريل: رائدة "العقلانية الدعوية" والنموذج النسائي المستقل في دمشق

ميساء شيخ حسين
السبت, 31 يناير - 2026
الجامع الأموي بدمشق
الجامع الأموي بدمشق

توفيت المربية والداعية الفلسطينية الاصل سورية المولد والممات أميرة جبريل (1949 - 2026) بعد مسيرة حافلة بالعمل الميداني والفكري، تاركةً بصمة تجاوزت الوعظ التقليدي إلى بناء تيار نسائي ديني يعتمد المنطق والعمل المؤسساتي، وينافس في حضوره كبرى المؤسسات المجتمعية.


خطاب عصري ومواجهة "النمطية"

عرفت المربية اميرة جبريل كاشهر واهم الداعيات المنتميات الى دعوة الشيخة منيرة قبيسي واللاتي اشتهرن بالقبيسيات .

ولم تكن جبريل مجرد ناقلة للنصوص، بل كانت مربية برعت و تميزت بقدرة خطابية فذة استندت إلى فهم عميق وعصري للإسلام، مما مكنها من مخاطبة أجيال شابة ، على مدى نصف قرن ، أجيال نشأت على المنطق والبحث العلمي والحرية الفكرية وحتى العلمانية .

تمثلت قوة منهجها في كسر الصورة النمطية للمرأة المسلمة كـ "ضلع قاصر"؛ إذ قدمت الإسلام كمنهج يخاطب المرأة ككائن مكلف، مسؤول عن اختياراته، وشريك في البناء و التنمية العلمية والعملية.

هذا التوجه أثمر عن جيل من "النساء الملتزمات بالاسلام من النوعية المجتمعية عالية الجودة"، حيث ضمت حلقاتها العلمية طبيبات، مهندسات، ومدرسات، وموظفات ادارة مدنية إلى جانب ربات بيوت قدمن نموذجاً تربوياً متطوراً، مما جعل من دعوتها "قوة ناعمة" تغلغلت في مفاصل المجتمع السوري والدول العربية المجاورة.


 الاتساق بين المبدأ والسلوك 

عُرفت الراحلة بتطابق حياتها الشخصية مع ما تدعو إليه؛ فكانت "تصل الليل بالنهار" في العمل الميداني، متنقلة بين دمشق، بيروت، والكويت. هذا الإخلاص العملي هو ما منحها قدرة استثنائية على امتلاك قلوب تلميذاتها، وتحويل الأفكار النظرية إلى مشاريع خيرية وتنموية قائمة على الأرض، رغم كل التحديات الأمنية.


 الصدام مع السلطة ومحاولات الاختراق 

أثار الانتشار الواسع لهذا التيار النسائي المنظم والمتعلم قلق النظام السوري، الذي رأى في تغلغل هؤلاء النسوة في مفاصل الدولة والمجتمع خطراً على هيمنته. وبحسب معطيات المرحلة، لم تكتفِ السلطة بالقيود الأمنية والملاحقة، بل عمدت إلى محاولة اختراق هذا التيار عبر:

خلق مجموعات موازية: محاولة تصدير وجوه نسائية منتحلة لصفة الجماعة الدعوية للتحدث باسمها.

كما قام بالتوظيف السياسي لهذه المجموعات ودفعها لإعلان مواقف داعمة للنظام في أزماته، مما أحدث خلطاً مقصوداً لدى الرأي العام بين "الداعية المستقلة والبعيدة عن العمل السياسي " وبين الوجوه التي تم استقطابها لتلميع صورة السلطة.


النأي بالنفس عن الإرث السياسي العائلي

في ظل هذا التعقيد، حافظت أميرة جبريل على مسافة فاصلة وحادة بين نشاطها الاجتماعي وبين توجهات أخيها السياسية وتحالفاته. هذا "النأي بالنفس" لم يكن موقفاً عائلياً فحسب، بل كان ضرورة للحفاظ على استقلالية دعوتها وحماية الآلاف من الأسر التي كانت تعتمد على جمعياتها في ريف دمشق وخارجه.


رحلت أميرة جبريل عن 77 عاماً، بعد أن أثبتت أن الدعوة النسائية في دمشق كانت قادرة على تقديم نموذج حضاري يزاوج بين الأصالة الدينية وبين تمكين المرأة كقوة فاعلة ومستقلة، بعيداً عن الاستلاب السياسي أو التبعية التقليدية.