في خضم التوترات العسكرية المتصاعدة التي تشهدها المنطقة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة معركة من نوع آخر؛ حيث شنت "جيوش إلكترونية" حملة تضليل واسعة زعمت اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وبقدر ما كانت الإشاعة مدوية، جاء النفي "ساخراً" ومحسوباً بدقة من قبل مكتبه، ليكشف عن وجه جديد من وجوه الحرب النفسية بين تل أبيب وخصومها.
شرارة الإشاعة: صور الأنقاض والذكاء الاصطناعي
بدأت القصة بصور "مؤثرة" انتشرت كالنار في الهشيم، تُظهر شخصاً يشبه نتنياهو بملامح مشوهة وهو يُسحب من تحت الركام، مع ادعاءات بأن غارة إيرانية استهدفت اجتماعاً سرياً لمجلس الوزراء. وما عزز انتشار هذه الرواية هو تغريدة مفبركة (Screenshot) نُسبت لحساب مكتب رئيس الوزراء الرسمي قبل أن "تُحذف"، تعلن مقتله رسمياً.
لكن التدقيق الرقمي كشف سريعاً أن هذه الصور ليست سوى نتاج لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما أكدته وكالات أنباء عالمية مثل رويترز، مشيرة إلى أن التلاعب بالصور وصل إلى مستويات غير مسبوقة من الإتقان لتضليل الرأي العام.
جدل "الأصابع الستة"
لم تتوقف الإشاعة عند حد الوفاة، بل دخلت منطقة "الغرابة" عندما تداول مستخدمون فيديو لمؤتمر صحفي عقده نتنياهو يوم 12 مارس، زاعمين أن يده اليمنى ظهرت بـ "ستة أصابع"، في إشارة إلى أن الفيديو مولّد بالذكاء الاصطناعي وأن الرجل الحقيقي قد مات فعلاً. هذا الادعاء تحديداً تحول إلى مادة للسخرية العالمية بعد أن فندت المواقع التقنية هذا الوهم البصري الناتج عن زاوية التصوير وسرعة الحركة.
النفي على طريقة "القهوة"
لم يتأخر الرد الإسرائيلي طويلاً، ففي يوم الأحد 15 مارس، نشر نتنياهو مقطع فيديو "عفوي" من مقهى في جبال القدس. ظهر نتنياهو وهو يحتسي القهوة ويقول لمساعده بنبرة ساخرة: "يقولون إنني ماذا؟.. أنا أموت في القهوة، وأموت في شعبي"، مستخدماً تلاعباً لفظياً بكلمة "ميت" التي تعني في العبرية العامية "الحب الشديد".
ولم يكتفِ بذلك، بل رفع يديه أمام الكاميرا بوضوح مخاطباً المشككين: "هل تريدون عدّ الأصابع؟ ها هي.. هل رأيتم؟ جميل جداً".
أبعد من مجرد إشاعة
يرى محللون أن كثافة هذه الشائعات، التي ضخمتها وسائل إعلام إيرانية رسمية مثل وكالتي "إيرنا" و"تسنيم"، تعكس حالة من الاستقطاب الشديد؛ فبينما كان الحرس الثوري الإيراني يتوعد بالانتقام لمقتل المرشد السابق، كانت تل أبيب تستخدم هذه الإشاعات لتثبيت صورة "القائد الصامد" الذي يسخر من محاولات النيل منه.
إن قصة "موت نتنياهو" في مارس 2026 ستبقى مثالاً صارخاً على كيفية تحويل "الترند" إلى سلاح، وكيف يمكن لـ "فنجان قهوة" أن ينهي حرباً إعلامية استمرت لأيام، لكنها بالتأكيد لن تكون الإشاعة الأخيرة في منطقة لا تهدأ فيها النيران ولا تتوقف فيها الشاشات عن الضجيج.
وسط هذا الضجيج الرقمي، برزت قراءة مغايرة يتبناها محللون في الشأن الإسرائيلي، تشير إلى أن إشاعة "موت نتنياهو" قد لا تكون مجرد هجوم من خصومه، بل ربما كانت "بالون اختبار" أو عملية نفسية مُدارة من داخل أروقة "الموساد" نفسه.
وتستند هذه الفرضية إلى عدة معطيات ميدانية وسياسية:
امتصاص الهلع الشعبي: تعيش الجبهة الداخلية الإسرائيلية حالة من "الهستيريا الجماعية" مع استمرار تساقط الصواريخ الإيرانية التي نجحت في اختراق "أسطورة" القبة الحديدية في عدة مواقع. في مثل هذه اللحظات، يحتاج النظام إلى "صدمة معاكسة" تحول الانتباه من فشل الدفاع الجوي إلى الخوف على مصير القيادة، ومن ثم الشعور بـ "الارتياح" عند ظهور القائد حياً، مما يمنحه شرعية شعبية متجددة وسط الأزمة.
تلميع صورة "البطل الصامد": إن خروج نتنياهو في فيديو "القهوة" الشهير لم يكن مجرد نفي، بل كان استعراضاً مقصوداً لهدوء الأعصاب والسيطرة. هذه الصورة تهدف للتغطية على غضب الشارع الإسرائيلي الذي يتهمه بجر البلاد إلى حرب استنزاف لا تنتهي، وتحويله من "مسؤول مقصر" إلى "هدف للمؤامرات"، وهو ما يثير تعاطف قاعدته اليمينية.
إحراج الخصوم (إيران وحزب الله): من خلال السماح للإشاعة بالانتشار ثم ضربها بفيديو حي، ينجح الإعلام العبري في وصم الرواية الإعلامية للطرف الآخر بـ "الأكاذيب" وفقدان المصداقية، مما يجعل أي انتصار عسكري حقيقي لاحقاً موضع شك في نظر الجمهور.
"اغتيال وهمي" لإنقاذ واقع سياسي
إن ربط الإشاعة بآلة "الموساد" ليس مجرد نظرية مؤامرة، بل هو تكتيك معروف في الحروب النفسية يسمى "تلقيح الرأي العام". فبينما كانت الصواريخ تمزق سماء تل أبيب وتكشف ثغرات القبة الحديدية، نجحت إشاعة "الموت" في إعادة توجيه النقاش العام نحو شخص نتنياهو وصموده، بدلاً من التركيز على فشل المنظومة العسكرية في حماية المستوطنين المصابين بالهلع في الملاجئ.