هذا الرقم يشير هذا العام إلى 250 سنة لاستقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا في العام1776 بعد سبع سنوات من الحرب مع بريطانيا على أعقاب ما سمي بثورة الشاي في بوسطن. هذه الثورة ثم الاستقلال جاءت بعد 284 سنة من اكتشاف أمريكا في العام 1492 وهي نفس السنة التي خرج أبو عبد الله الصغير من غرناطة باكيا. 534 سنة تفصلنا فقط عن خسارة أجمل حضارة صنعها الأمويون في الأندلس، وعن حضارة جديدة ستشهد ميلادها في القارة التي كانت خلف بحر الظلمات، ولكن شتان بين الحضارتين حيث كانت الاندلس بلد التعايش والعلم والفن والرخاء والإخاء بين الأديان والأعراق، وحضارة ستلد على أيادي اللصوص والمجرمين الذين حرروا من سجون أوربا ويتم إرسالهم إلى القارة الجديدة للتخلص منهم، وهنا بدأت المذبحة الكبرى بالسكان المحليين الذين أعطاهم كولومبس أسم "الهنود الحمر" لكنهم كانوا قبائل تعيش بسلام كأباشي، والشيروكي، وشاين، وكومانشي وسواها والتي نرى هذه الأسماء اليوم على مقدمة السيارات الامريكية. على هذه الأرض جاء الرجل الأبيض الأوربي ليرتكب أبشع إبادة جماعية في تاريخ البشرية حيث تم قتل عشرات الملايين من القبائل الأصليين، ولا أنسى تلك الصورة التي رأيتها يوما على جدار في نيويورك تصور أحد رجال القبائل يبكي ويقول: "انظروا ماذا فعلوا ببلادي". لكن القصة لم تنته بالإبادة الجماعية للسكان الأصليين، بل سترتكب جرائم أشد إيلاما بالأفارقة فيما بعد الذين تم اصطيادهم في بلادهم في إفريقيا ليتم شحنهم كالبهائم في أكبر تجارة رق عرفها التاريخ عبر الأطلسي الذي غرق فيه الألاف منهم بعد أن تم إلقاؤهم في المحيط إذا أصابهم مرض ما ومن ينجو منهم ينقلون إلى المزارع الأمريكية ليعملوا فيها بالسخرة مدى الحياة وكانت السياط تلهب جسد كل متمرد. وعندما حاول أبراهام لنكولن تحريرهم في بداية ستينيات القرن التاسع عشر اندلعت الحرب الأهلية وقتل منهم عشرات الآلاف وانتهت باغتيال لينكولن نفسه. وفي 1886 أهدت فرنسا تمثال الحرية لأمريكا الذي بقي رمزا فقط تتباهى فيه أمريكا، فثورات السود استمرت ضد العنصرية، وكلما قام ثائر قتلوه كمارتن لوثر، ومالكوم إكس، ورغم مرور حوالي قرن على التحرير بقيت الولايات المتحدة بلد رعاة البقر والقانون هو من يطلق الرصاص أولا. انطلقت الولايات المتحدة إلى العالمية في الحرب العالمية الأولى مع مباديء وودرو ويلسون التي أطلقها في فرساي في باريس والتي تدعو إلى استقلال الشعوب وحقهم في تقرير المصير، ومن المضحكات المبكيات أن هذه المباديء لم تحترمها الدول الاستعمارية ولا حتى الدولة (أمريكا) التي تطالب بها، فلم يمض سنة واحدة إلا وأعلن عن وعد بلفور لاستعمار فلسطين، وسايكس بيكو لاستعمار الشرق الأوسط، وفي عام الإعلان عن قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي كانت أمريكا أول المعترفين بها، وفي الحرب العالمية الثانية تمكنت أمريكا بعد انتصارها على النازية من استعمار اوربا اقتصاديا عبر خطة مارشال من ناحية، ومؤتمر بروتون وودز الذي جعل الدولار عملة احتياطية بدل الذهب الأمر الذي مكن أمريكا من نهب العالم أجمع خلال 30 عاما عبر طبع العملة الامريكية التي لا تساوي سوى ثمن الورق الذي صنعت منه وشراء كل ما يمكن شراؤه من بلاد العالم "مجانا" وعندما كشف الجنرال شارل ديغول عن الخديعة والسرقة الكبرى أعاد الدولارات الورقية إلى أمريكا وطالب بالذهب، فعملت على إسقاطه، ثم ربطت الدولار بالنفط فبقي الدولار سيد الموقف عالميا بفضل المملكة العربية السعودية، وبقيت الهيمنة الاقتصادية الامريكية واليوم يقوم دونالد ترامب بسرقة جديدة عبر الرسوم الجمركية التي فرضها على دول العالم لجعل أمريكا عظيمة مجددا، أما عن الهيمنة السياسية الاستعمارية فحدث ولا حرج فكانت دول أمريكا الجنوبية تحت سيطرتها وعندما بدأت الدول بتحرير نفسها في كوبا ونيكاراغوا وبنما والمكسيك وكولومبيا قامت أمريكا بمعارك كبيرة عبر عملائها ضدها وحاكت الانقلابات العسكرية في كل دول أمريكا اللاتينة، أما الحروب التي خاضتها ودمرت فيها دولا بأكلمها فكانت الحرب على اليابان وضربها بقنبلتين نوويتين دمرتا هيروشيما وناغازاكي، ثم الحرب في كوريا، و فيتنام، ثم الافغانستان، والعراق، وفنزويلا، والآن في إيران والتي أودت بحياة الملايين من البشر، ودعم إسرائيل لارتكاب الإبادة الجماعية في غزة، واحتلال الضفة الغربية ولبنان وسوريا، بل منح دونالد ترامب إسرائيل الجولان "مجانا " كما قال. واليوم يحتفل بعيد استقلال أمريكا ويدعو لبناء أمريكا عظمية مجددا على حساب سرقة النفط العالمي، والرسوم الجمركية. 250 سنة من الاستقلال لكن 250 سنة من الرق، والتمييز العنصري، والهيمنة الاقتصادية على العالم ونهب الشعوب، وإثارة الحروب. وآن الأوان أن تعي أمريكا أنها لن تكون عظيمة مجددا إلا بتغيير عقليتها وسياساتها تجاه العالم.