ما يجري في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب لم يعد توترًا أمنيًا عابرًا، بل تحوّل إلى لحظة كاشفة لطبيعة المشروع الذي حاولت "قوات سوريا الديمقراطية" ترسيخه منذ دخولها المشهد السوري تحت شعار "محاربة الإرهاب". فالتطورات المتسارعة تؤكد أن الخطاب الذي رُوِّج طويلًا عن الحماية والشراكة يتهاوى اليوم أمام وقائع ميدانية تضع المدنيين في صدارة الخسائر، وتكشف حدود القوة عندما تُفصل عن أي غطاء شعبي أو وطني.
على مدى سنوات، دخلت قسد إلى مناطق سورية مختلفة بذريعة محاربة تنظيم داعش، لكنها سرعان ما تحولت إلى سلطة أمر واقع، فرضت إدارتها بالقوة، ووسّعت نفوذها عبر سياسات أثارت استياءً واسعًا، شملت التجنيد القسري، مصادرة الممتلكات، وإقصاء قوى اجتماعية محلية. ومع مرور الوقت، لم تعد المعركة مع التنظيمات المتطرفة، بقدر ما أصبحت مع المجتمع نفسه، ومع أي صوت يطالب بالشراكة الحقيقية أو يطرح أسئلة حول القرار والسيادة.
في حلب، عادت هذه التناقضات إلى الواجهة بوضوح أكبر. فمع تصاعد الأحداث في الشيخ مقصود والأشرفية، أفادت مصادر محلية وأمنية بمنع المدنيين من مغادرة الحيين، في وقت تشهد فيه المنطقة حالة انقسام داخل صفوف قسد نفسها، تمثّلت بتأمين انشقاق عدد من عناصرها، مقابل إصرار قيادات ميدانية على البقاء ورفض تنفيذ الاتفاقات المطروحة، ومحاولة تعطيل أي مسار من شأنه تجنيب المنطقة مواجهة عسكرية خاسرة.
ووفق معطيات ميدانية، جرى رصد تواجد مجموعات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني داخل الحيين، تعمل على تقويض التفاهمات القائمة، واستهداف الجيش وقوى الأمن، في محاولة لفرض أمر واقع بالقوة، رغم إدراكها أن المنطقة محاصرة وأن مآلات المواجهة محسومة سلفًا. هذا الإصرار لم يقتصر على تعطيل الاتفاق، بل ترافق مع تصعيد خطير تمثّل في استخدام المدنيين كورقة ضغط، ومنعهم من الخروج، ما يطرح علامات استفهام جدّية حول حقيقة الادعاءات السابقة بحمايتهم.
التطور الأخطر تمثّل في لجوء قسد إلى ورقة الخدمات الأساسية، حيث أوقفت ضخ المياه عن مدينة حلب من محطة بابيري، التي تؤمّن أكثر من 80 في المئة من احتياجات المدينة وريفها. خطوة كهذه لا يمكن فصلها عن سياق الابتزاز الجماعي، وتكشف استعداد التنظيم لاستخدام حياة المدنيين اليومية كوسيلة ضغط سياسية وعسكرية، في انتهاك واضح للأعراف الإنسانية ومبادئ القانون الدولي.
كما شهد الحي حادثة خطيرة تمثّلت بقيام أحد عناصر قسد بتفجير نفسه قرب قوات الجيش العربي السوري، دون وقوع خسائر بشرية في صفوف الجيش، في مؤشر إضافي على مستوى التوتر، وعلى خطورة الانزلاق نحو خيارات عبثية لا تزيد المشهد إلا تعقيدًا، وتدفع ثمنها الأحياء السكنية وسكانها.
ما يحدث اليوم يعيد إلى الأذهان مشاهد سابقة عاشها السوريون، أبرزها خلال عملية “نبع السلام”، حين انهار خطاب “الحماية” عند أول مواجهة حقيقية، وتقدّم منطق الانسحاب والفوضى، تاركًا المدنيين وحدهم في الواجهة. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا لا يمكن تجاهله: أين تنتهي الشعارات، وأين تبدأ المسؤولية الأخلاقية والسياسية تجاه الناس؟
المشكلة، كما بات واضحًا، ليست مع المكوّن الكردي، الذي يُعد جزءًا أصيلًا من المجتمع السوري وتاريخه وثقافته، بل مع تنظيم مسلح صادر قرار هذا المكوّن، وربط مصير مناطق كاملة بأجندات خارجية، وراهن على توازنات مؤقتة سرعان ما تتبدل. حتى الدعوات التي صدرت سابقًا من داخل هذا التيار نفسه، بضرورة ترك السلاح والانخراط في العمل السياسي، جرى تجاهلها لصالح وهم السيطرة وفرض الأمر الواقع.
اليوم، ومع تسارع الأحداث، ومحاولات وساطة يقودها وجهاء وشخصيات كردية لإقناع المتمسكين بالقتال بتغليب العقل وتفادي مزيد من التصعيد، تتضح الحقيقة أكثر من أي وقت مضى: لا مستقبل لأي سلاح خارج إطار الدولة، ولا شرعية تُبنى بالقوة، ولا مشروع يمكن أن يصمد من دون حاضنة شعبية حقيقية.
ما يجري في الشيخ مقصود والأشرفية ليس معركة أحياء فحسب، بل لحظة فاصلة لمسار كامل. حلب، التي دفعت أثمانًا باهظة خلال سنوات الحرب، تقول اليوم بوضوح إن سوريا لا تُدار بالبندقية، ولا تُحمى بالدروع البشرية، ولا تُبنى بقطع المياه عن ملايين المدنيين. ومن يعتقد أن السلاح يصنع وطنًا، سيكتشف، عاجلًا أم آجلًا، أنه لم يكن سوى عبء إضافي على مدينة أنهكها الصراع.