في وقت يترقب فيه العالم تحولات جيوسياسية كبرى، نجحت الصين في تحويل "الرياح" إلى سلاح استراتيجي مكنها من الهيمنة على المشهد الطاقي العالمي. مع بلوغ السعة المركبة لطاقة الرياح في الصين نحو 600 مليون كيلوواط مع بداية العام الجاري، لم يعد الحديث عن "بديل للنفط" مجرد خطة مستقبلية، بل واقع تفرضه الأرقام الصينية التي تجاوزت كل التوقعات.
أرقام تعكس الهيمنة: الصين أولاً بفارق شاسع
تشير أحدث التقارير الاقتصادية الصادرة في الربع الأول من عام 2026 إلى أن الشركات الصينية باتت تسيطر على 72% من السوق العالمية لتوربينات الرياح الجديدة. ومن بين أكبر 10 موردين عالميين، تحتل الشركات الصينية 8 مراكز، مع احتفاظ شركة "Goldwind" بموقعها كأكبر مورد في العالم، تليها "Envision" التي بدأت بالتوسع بقوة في الأسواق الخارجية (خارج الصين).
رؤية الخبراء الاستراتيجيين:
يرى باحثون في مراكز الدراسات الاستراتيجية أن النجاح الصيني يعود إلى "عقيدة الاستعداد المسبق". وفي هذا السياق، يوضح د. تشانغ وي، المحلل الاستراتيجي في معهد بكين للطاقة:
"الصين لم تنظر إلى طاقة الرياح كخيار بيئي فحسب، بل كضرورة للأمن القومي. الاستثمار في سلاسل التوريد المحلية منذ عقود جعلها اليوم محصنة ضد تقلبات أسعار النفط والغاز التي تعصف بالأسواق العالمية نتيجة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأوروبا".
من وجهة نظر اقتصادية، يؤكد محللو BloombergNEF أن الصين تمكنت من خفض التكاليف بنسب تجعل المنافسة الغربية شبه مستحيلة. فالصين لا تصنع التوربينات فحسب، بل تمتلك السيطرة الكاملة على:
المواد الخام كالعناصر الأرضية النادرة اللازمة للمغناطيسات الدائمة.
والبنية التحتية:مثل شبكات نقل الكهرباء فائقة الجهد (UHV) التي تنقل الطاقة من الصحاري والمناطق البحرية إلى المدن الكبرى.
اقتصاديات الحجم: القدرة على تركيب أكثر من 100 جيجاواط في عام واحد، وهو ما يعادل إنتاج قارات بأكملها.
يرى خبراءفي الطاقة ان الصراع التقني انتقل الآن إلى أعالي البحار؛ حيث بدأت الصين في تشغيل توربينات عملاقة بقدرات غير مسبوقة. وبحسب خطة "الخمسية الخامسة عشرة" (2026-2030)، تهدف الصين إلى إضافة 120 جيجاواط سنوياً من طاقة الرياح والشمس، مع التركيز الخاص على المشاريع البحرية التي تمنحها ميزة جيوسياسية في السيطرة على تكنولوجيا المحيطات.
رغم هذه الهيمنة، يشير خبراء من S&P Global إلى أن التحدي القادم للصين يتمثل في "تكامل الشبكة". فمع وصول حصة الطاقة الخضراء إلى نحو ربع استهلاك الكهرباء في البلاد، يصبح الاستثمار في تخزين الطاقة وتحديث الشبكات الذكية هو الرهان الحقيقي لضمان استقرار الإمدادات وتجاوز العقبات التي تواجهها الشركات المحلية بسبب هوامش الربح الضيقة نتيجة التنافس الشديد.