تبدو أسواق الفواكه في دمشق وريفها مكتظة بالتفاح والعنب والرمان هذا الموسم، في مشهد يوحي بوفرة غير مسبوقة وانتعاش زراعي واضح. تمتلئ البسطات بالألوان، وتزدحم الشاحنات في أسواق الهال، ويظن الناظر للوهلة الأولى أن المزارع السوري قد تجاوز أزماته التسويقية. غير أن هذه الصورة تنكسر سريعاً أمام واقع ميداني مختلف تماماً: مزارعون يواجهون صعوبة حقيقية في تصريف محاصيلهم، وأسعار منخفضة لا تغطي تكاليف الإنتاج، وتكاليف تخزين ونقل مرتفعة تحول الفائض من نعمة مرتقبة إلى عبء اقتصادي مباشر يثقل كاهل آلاف الأسر الريفية.
ومن هنا تبرز الإشكالية الأساسية: كيف تتحول وفرة الإنتاج إلى أزمة تصريف؟ وما العوامل الميدانية التي تحول دون استفادة المزارع من موسم جيد؟
يتوقع أن يصل إنتاج التفاح في منطقتي الزبداني وسرغايا بريف دمشق إلى نحو 60 ألف طن هذا الموسم، بعد تقديرات أولية بلغت 45 ألف طن، بفضل الظروف الجوية الملائمة والحمل الجيد للأشجار. ويساهم ريف دمشق بنحو 35% من إجمالي الإنتاج الوطني المتوقع بين 198 و200 ألف طن. وفي محافظة حمص، يقدر الإنتاج بنحو 35 ألف طن على مساحة تقارب 8 آلاف هكتار، في مؤشر على استقرار نسبي في المساحات المزروعة رغم التحديات السابقة.
في المقابل، تصدّر سوق الهال في منطقة الزبلطاني بدمشق نحو 15 ألف طن من الخضار والفواكه إلى أسواق الخليج خلال شهر أيلول وحده، عبر 600 شاحنة براد محملة بأنواع متعددة بينها التفاح والعنب والإجاص. كما استؤنف التصدير إلى السوق العراقية بعد فترة انقطاع، مما ساهم في ارتفاع أسعار بعض الأصناف محلياً، خاصة البطاطا والبندورة. ومع ذلك، يشكو المزارعون في المناطق الإنتاجية من أن جزءاً كبيراً من الإنتاج المحلي، ولا سيما التفاح من النخب المتوسطة، يبقى دون منافذ تسويقية كافية، مما يدفعهم إلى البيع بأسعار منخفضة أو تخزين كميات محدودة بتكاليف مرتفعة.
وتتراوح أسعار الجملة للتفاح حالياً بين 100 و120 ليرة للكيلوغرام حسب النوع والجودة، بينما يتراوح سعر العنب بين 80 و100 ليرة، ويصل التين إلى نحو 140 ليرة. هذه المستويات، رغم أنها تبدو مقبولة للمستهلك في بعض الحالات، لا تعكس الارتفاع الملحوظ في تكاليف الإنتاج من أجور عمالة وقطاف ونقل وتخزين ومواد زراعية.
تكمن الأسباب في مزيج متداخل من العوامل الإنتاجية والتسويقية واللوجستية. فقد أدت الظروف الجوية الجيدة هذا الموسم إلى حمل وفير على الأشجار في معظم مناطق الإنتاج الرئيسية، مما زاد الكميات المعروضة في فترة زمنية محدودة. وفي الوقت نفسه، ارتفعت تكاليف القطاف والنقل والتخزين والعمالة بشكل ملحوظ، بسبب أسعار المحروقات وتكاليف التشغيل. كما أن غياب القدرة التخزينية الكافية والباردة في المناطق الإنتاجية نفسها يضطر المزارعين إلى البيع السريع بأسعار منخفضة، خوفاً من تلف المحصول أو تراكم تكاليف إضافية.
يضاف إلى ذلك صعوبة تلبية متطلبات الأسواق الخارجية من حيث الجودة ومعايير متبقيات المبيدات والتغليف، الأمر الذي يحد من قدرة جزء من الإنتاج على دخول قنوات التصدير المنظمة. كما تواجه سلاسل النقل تحديات لوجستية وتكاليف مرتفعة تؤثر على هوامش الربح. ومن جهة أخرى، أدى استئناف التصدير إلى بعض الأسواق المجاورة إلى سحب كميات من السوق المحلية، مما أحدث تفاوتاً سعرياً بين المناطق والأصناف، دون أن يحل مشكلة الفائض في التفاح تحديداً.
ورغم صدور قرارات تمنع استيراد التفاح لحماية المنتج الوطني حتى نهاية تشرين الثاني، إلا أن هذه الإجراءات وحدها لم تكن كافية لحل أزمة التصريف، لأن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف قنوات التسويق الداخلي والخارجي المنظمة، وليس فقط في المنافسة الخارجية.
تبرز المشكلة بوضوح في ريف دمشق، حيث يشكل التفاح العمود الفقري للإنتاج الزراعي في الزبداني وسرغايا وعين حور والقرى المجاورة. ويعتمد آلاف المزارعين في هذه المنطقة على موسم التفاح كمصدر دخل أساسي، مما يجعل أي اضطراب في التصريف ينعكس مباشرة على معيشتهم. وفي محافظة حمص، يواجه المزارعون كساداً مشابهاً رغم المساحات الواسعة والإنتاج المستقر نسبياً، ويطالبون بفتح أسواق خارجية إضافية وتسهيل إجراءات التصدير.
أما في ريف حلب الشمالي، فيعاني مزارعو الرمان في مناطق مثل البصوطة من صعوبات التسويق وارتفاع تكاليف النقل، رغم تحسن الجودة والإنتاج هذا الموسم بفضل تحسن ظروف الري في بعض المناطق. ويبقى جزء من المحصول دون تصريف كافٍ، مما يدفع المزارعين إلى الاعتماد على التصنيع المنزلي المحدود أو البيع بأسعار منخفضة.
وفي المقابل، شهدت الأسواق المركزية ظهور فواكه استوائية كانت نادرة أو محظورة سابقاً، مثل المانجا والكيوي والأناناس، مما يعكس انفتاحاً تجارياً جديداً وتغيراً في أنماط الاستهلاك. غير أن هذا التطور لا يعوض المزارعين المحليين عن صعوبة تصريف منتجاتهم الأساسية، بل يزيد في بعض الحالات من حدة المنافسة على حصة المستهلك في السوق المحلية.
وعلى المستوى الاستهلاكي، يؤدي ارتفاع تكاليف النقل والطاقة وعمليات التصدير إلى تفاوت سعري واضح بين مناطق الإنتاج وأسواق المدن، ويضغط على القدرة الشرائية للأسر، خاصة مع تراجع القوة الشرائية العامة. وهكذا تتحول المشكلة من قضية إنتاجية بحتة إلى أزمة معيشية تمس المنتج والمستهلك معاً، وتؤثر على استقرار الدورة الزراعية في المناطق الريفية.
تتطلب معالجة الأزمة مقاربة متكاملة تركز على التسويق والتصنيع واللوجستيات، لا على الإنتاج وحده. يمكن البدء بتوسيع منافذ التصدير المنظمة إلى الأسواق الخليجية والعراقية، مع تسهيل الإجراءات الجمركية وتوحيد معايير الجودة والتغليف بما يتوافق مع متطلبات تلك الأسواق. كما يُعد تطوير قدرات التخزين البارد في المناطق الإنتاجية نفسها أمراً أساسياً لتمديد موسم البيع وتجنب البيع القسري في ذروة العرض.
على المدى المتوسط، يمكن تشجيع التصنيع الغذائي المحلي (عصائر، مربى، مجففات، مركزات) لاستيعاب الفائض وتحويله إلى قيمة مضافة، مع توفير دعم فني للمزارعين لتحسين جودة المنتج وتقليل الفاقد بعد القطاف. كما أن تنسيق الروزنامة الزراعية مع قرارات الاستيراد والتصدير بشكل أكثر مرونة وشفافية يمكن أن يوازن بين حماية المنتج المحلي وضمان توفره بأسعار معقولة للمستهلك، ويمنع التقلبات الحادة في الأسعار.
ومن الحلول الميدانية أيضاً دعم جمعيات المزارعين في عمليات التسويق الجماعي، وتسهيل وصولهم إلى المعلومات السوقية، وتشجيع التعاقدات المسبقة مع المصدرين والمعامل. هذه الخطوات، إذا نُفذت بشكل منسق، قادرة على تحويل الوفرة من عبء إلى فرصة اقتصادية حقيقية.
الوفرة في حد ذاتها ليست أزمة، بل هي فرصة ضائعة إذا لم تُدار سلاسل التوريد والتسويق والتخزين بكفاءة. وتحويل هذا الفائض إلى قيمة اقتصادية حقيقية يبقى رهناً بإجراءات ميدانية سريعة وواقعية تركز على حلقة ما بعد الإنتاج، لا على زيادة الإنتاج فقط. فالأمن الغذائي لا يتحقق بالوفرة وحدها، بل بقدرة المزارع على تسويق محصوله بأسعار مجزية واستدامة الدورة الزراعية عاماً بعد عام.