توسع إسرائيل انتشارها العسكري داخل الأراضي السورية في محافظتي القنيطرة ودرعا، مع تثبيت تسعة مواقع عسكرية على امتداد نحو 76 كيلومتراً من جبهة الجولان المحتل، وانتشار قوة تقدر بما بين ألف وألف وخمسمئة جندي ونحو 300 آلية ومدرعة، حسب مصادر “القدس العربي”. فيما تتركز القوات في ستة مواقع رئيسية ضمن مساحة انتشار مستقرة تقدر بنحو 800 كيلومتر مربع جنوب سوريا.
وتكشف معطيات لـ “القدس العربي” عن انتشار إسرائيلي متعدد المستويات، يجمع بين قواعد ونقاط عسكرية ثابتة، وتوغلات ميدانية متحركة، وشبكة من الطرق والتحصينات، في مسار يثير تساؤلات حول طبيعة الوجود العسكري الإسرائيلي ومستقبله داخل الأراضي السورية.
خريطة السيطرة
تتراوح تقديرات مساحة هضبة الجولان السورية التابعة لمحافظة القنيطرة بين نحو 1800 و1860 كيلومتراً مربعاً، وتحتل إسرائيل منذ عام 1967 نحو 1200 كيلومتر مربع منها، وفق تقديرات أممية ومراجع جغرافية مختلفة، بينما بقي نحو 600 كيلومتر مربع خارج الاحتلال الإسرائيلي.
بلغ عدد المواقع العسكرية الإسرائيلية المثبتة حالياً في القنيطرة، حسب مصادر أمنية تسعة مواقع، تنتشر على الجبهة السورية التي يبلغ طولها نحو 76 كيلومتراً
وتضم المناطق التي بقيت خارج السيطرة الإسرائيلية نحو تسع قرى داخل المنطقة العازلة، الممتدة من غربي جملة في ريف درعا وصولاً إلى مرصد حرمون في جبل الشيخ، الذي يبلغ ارتفاعه 2814 متراً، إضافة إلى نحو 15 قرية تقع خارج المنطقة العازلة.
وحسب مصادر عسكرية تحدثت لـ”القدس العربي”، فإن “عين إسرائيل اليوم على هذه القرى التي بقيت خارج سيطرتها”، معتبرة أن التحركات الإسرائيلية الحالية تندرج ضمن مسار أوسع باتجاه السيطرة على المناطق المتبقية.
وبعد إحكام قبضتها على المنطقة العازلة، البالغة مساحتها نحو 235 كيلومتراً مربعاً، ضمن عملية “سهم باشان”، بدأت إسرائيل بالتحرك في المناطق الواقعة ما بعد المنطقة العازلة، والتي تضم نحو 15 قرية، بينها بئر عجم، وأم باطنة، وجباتا الخشب، وخان أرنبة، وبريقة، والعشة، والرفيد، والحميدية، وأوفانيا، وعين نورية، وطرنجة، وحضر، والأصبحي، ضمن ما يصفه المصدر بأنه “مسار يهدف إلى السيطرة على كامل ريف القنيطرة”.
ويرى المصدر أن استمرار هذا المسار “يعني أن أهالي القنيطرة يصبحون بالكامل خارج محافظتهم”، وأن “سكانها أنفسهم سيجدون أنفسهم أمام قضية تتعلق باحتلال أراضيهم وبلداتهم، على غرار قضية الأراضي والبلدات الفلسطينية”، حسب المصدر.
القواعد الإسرائيلية
وعلى الأرض، بلغ عدد المواقع العسكرية الإسرائيلية المثبتة حالياً في القنيطرة، حسب مصادر أمنية تحدثت لـ “القدس العربي”، تسعة مواقع، تنتشر على الجبهة السورية التي يبلغ طولها نحو 76 كيلومتراً، من مراقب جبل الشيخ المرتفع شمالاً، وصولاً إلى المثلث السوري الأردني مع الجولان المحتل في وادي اليرموك، عند قرية المعرية جنوباً في ريف درعا.
وتنتشر هذه المواقع في التلول الحمر التي تضم تل أحمر الكبير في الشمال وتل أحمر الغربي، إضافة إلى قرص النفل، والحميدية، وجباتا الخشب، والعندانية، وبريقة، وبئر عجم، وصيدا الحانوت جنوباً، وثكنة الجزيرة بحوض اليرموك.
لكن هذه المواقع ليست متساوية من حيث الحجم والأهمية. فبحسب المصدر الأمني، يتركز الانتشار في نحو ستة مواقع عسكرية رئيسية، منها مثبتة على امتداد الجبهة.
ووفق المصادر، تعمل هذه المواقع ضمن شبكة مشتركة للمراقبة والاستطلاع، بحيث يمكنها تقديم الدعم لبعضها البعض عند الحاجة، فضلاً عن تنفيذ مهام الكشف والاستطلاع والتمييز ومعالجة المعلومات.
حجم القوة
ولفهم حجم هذا الانتشار، قدّر مصدر عسكري سوري مطلع حجم القوات الإسرائيلية الموجودة داخل الأراضي السورية ما بين ألف وألف وخمسمئة جندي، موضحاً أن القوة المنتشرة تتبع لتشكيلات من اللواء 405 التابع للفرقة 210 في الجيش الإسرائيلي.
وقال لـ”القدس العربي” إن طبيعة القوة المنتشرة تعتمد بصورة أساسية على المشاة والعربات المدرعة، مقدراً عدد الآليات والمدرعات الموجودة بنحو 300 آلية موزعة على كامل قطاع الجبهة، فيما لا توجد “مدفعية ثابتة ذات نشاط واضح في هذه المواقع”.
تضمن المواقع أماكن توقيف مؤقتة تشبه “النظارة” يحتجز فيها الموقوفون لفترات قصيرة، تتراوح عادة بين 24 و48 ساعة، قبل نقلهم أو ترحيلهم حسب المصدر
ويشير تقدير المصدر إلى أن حجم القوة المنتشرة يعادل تقريباً قوام لواء، إلا أن انتشارها ليس متمركزاً في موقع واحد، حيث يتركز جزء من القوة في المواقع الرئيسية، فيما يتوزع باقي العناصر بين المواقع الأخرى ووحدات الحركة والحماية والإسناد، إذ “يعد موقع العندانية أكبر مواقع الانتشار الإسرائيلي، ويضم نحو 150 عنصراً إلى 200 عنصر، كما تضم ثكنة الجزيرة في حوض اليرموك نحو 150 عنصراً أيضاً، فيما تضم القاعدة العسكرية في محمية جباتا الخشب وغيرها من القواعد نحو 50 عنصراً”.
وتختلف وظيفة هذه المواقع حسب طبيعة انتشارها وموقعها، فبعضها “يؤدي دوراً متقدماً في المراقبة والاستطلاع، بينما يوفر بعضها الآخر حماية للقوات وتأميناً للحركة والطرق العسكرية، إضافة إلى مواقع يمكن استخدامها للقيادة والاتصالات وتحريك الآليات”.
وتشبه هذه المواقع في بنيتها مواقع الكتائب العسكرية، إذ “تضم مهاجع للعناصر، ومنشآت عسكرية، ومواقع قتالية، ومواقع مخصصة للحماية من الطيران، ومواقع للآليات، إضافة إلى مقرات للاتصالات والقيادة”.
كما تتضمن المواقع أماكن توقيف مؤقتة تشبه “النظارة” يحتجز فيها الموقوفون لفترات قصيرة، تتراوح عادة بين 24 و48 ساعة، قبل نقلهم أو ترحيلهم بحسب المصدر.
الانتشار المستقر
ويميز المصدر العسكري بين نطاق الانتشار العسكري الإسرائيلي المستقر وبين المناطق التي وصلت إليها عمليات التوغل المؤقتة، مشيراً إلى أن المشهد الميداني قائم على مستويين مختلفين: انتشار عسكري إسرائيلي مستقر يقدّر بنحو 1000 إلى 1500 جندي ونحو 300 آلية ومدرعة ضمن نطاق يقدّر بنحو 800 كيلومتر مربع، في مقابل عمليات توغل مؤقتة وصلت في أقصى مداها إلى أعماق أكبر بكثير، وشملت مناطق تقدر مساحتها بأكثر من 1300 كيلومتر مربع.
ويقول: “دخلت إسرائيل إلى عدد من القرى والمناطق من دون أن تقيم فيها انتشاراً دائماً، ومنها رويحينة، والمعلقة، وكودنة، ووادي الطقم، وسويسة، وصيدا، وخان أرنبة، في ريف القنيطرة، إضافة إلى قرى المعرية وعابدين وجملة في ريف درعا”.
تستمر إسرائيل في تنفيذ مشروعها العسكري، الممتد بمحاذاة الجولان داخل الأراضي السورية، ضمن مسار توسعي شمل شق طرق
وكانت أعمق التوغلات في ريف دمشق الغربي، حيث وصلت القوات الإسرائيلية إلى بلدة بيت جن بعمق 12 كيلومتراً عن خط الحواجز الهندسية الإسرائيلية. ومن الجنوب دخلت إلى قرية عابدين بعمق 2.5 كيلومتر، ووصلت إلى جملة بعمق أربعة كيلومترات، وإلى تسيل بعمق ثمانية كيلومترات في ريف درعا، فيما بلغ أقصى عمق للتوغل في منطقة جبل الشيخ نحو 18 كيلومتراً.
وتشير المصادر إلى أن المناطق التي دخلتها إسرائيل ولم تستقر فيها، وهي “المناطق المستباحة” تتجاوز مساحتها 1300 كيلومتر مربع، وتقع بعيداً عن خط الجبهة.
“سوفا 53”
ولا يقتصر تثبيت الوجود الإسرائيلي على إقامة النقاط العسكرية، بل يترافق مع إنشاء شبكة طرق وحواجز ميدانية تربط بين مواقع الانتشار.
ووفقاً للمصدر العسكري، يحمل الطريق الذي يربط بين عدد من المواقع العسكرية الإسرائيلية اسم “سوفا 53″، ويشكل جزءاً من شبكة الحركة والإمداد بين النقاط المنتشرة في المنطقة.
وتستمر إسرائيل في تنفيذ مشروعها العسكري، الممتد بمحاذاة الجولان داخل الأراضي السورية، ضمن مسار توسعي شمل شق طرق محصنة وإقامة سواتر ترابية ونقاط مراقبة، في خرق لاتفاقية فصل القوات الموقعة عام 1974.
ويترافق التحرك الإسرائيلي اليومي مع أعمال الحفريات الخاصة بالمشروع، التي وصلت، بحسب المعطيات الميدانية، إلى قرية كودنة والعشة في أقصى جنوب المحافظة.
وتقول الناشطة الميدانية سلام هاروني لـ “القدس العربي” إن سلطات الاحتلال باشرت منذ منتصف عام 2022 تنفيذ مشروعها العسكري المسمى “سوفا 53″، الذي انطلقت أعماله من أطراف بلدة حضر في ريف القنيطرة، باتجاه قرى جباتا الخشب، والحميدية، والقحطانية، ورويحينة، وبئر عجم، وبريقة، والعشة، وصولاً إلى المثلث الحدودي في أقصى جنوب محافظة القنيطرة، ضمن خطة لإنشاء طريق عسكري يمتد داخل الأراضي السورية بمحاذاة الجولان المحتل.
وحسب هاروني، توسعت أعمال المشروع على عدة مراحل، وشملت شق طريق محصن بعرض يقارب ثمانية أمتار، يتضمن سواتر ترابية وخنادق ونقاط مراقبة تمتد على طول المسار داخل المنطقة العازلة.
حدت عمليات التجريف والتمهيد، بحسب المصادر، من قدرة الأهالي على الوصول إلى أراضيهم ومصادر معيشتهم، فيما تشهد المنطقة بين الحين والآخر انفجارات متفرقة
وتتابع هاروني أن وتيرة العمل تسارعت مع نهاية عام 2024، عقب انهيار النظام السابق في مناطق الجنوب، إذ استغلت سلطات الاحتلال “حالة الفراغ الأمني لإعادة إحياء المشروع وتوسيعه تحت ذرائع أمنية، بينما يتمثل الهدف الفعلي في فرض واقع ميداني جديد وتوسيع نطاق السيطرة داخل الأراضي السورية”.
وتفيد معطيات ميدانية، حسب مصادر عسكرية مطلعة فضلت حجب هويتها لـ “القدس العربي”، بأن التوغل الإسرائيلي في المنطقة العازلة تراوح في عدة مواقع حول 300 متر، ولا سيما في محيط قرى حضر وجباتا الخشب وبئر عجم، ما أدى إلى الاستيلاء على مساحات زراعية واسعة وتدمير الغطاء النباتي بشكل شبه كامل، بما في ذلك المراعي والأشجار البرية التي كانت تشكل مصدر رزق رئيسياً للسكان المحليين.
كما حدت عمليات التجريف والتمهيد، بحسب المصادر، من قدرة الأهالي على الوصول إلى أراضيهم ومصادر معيشتهم، فيما تشهد المنطقة بين الحين والآخر انفجارات متفرقة نتيجة وجود ألغام فردية داخل المنطقة العازلة تنفجر أثناء أعمال التجريف التي تنفذها آليات الاحتلال.
ويأتي مشروع “سوفا 53” في إطار خطة إسرائيلية أشمل تهدف إلى ترسيم حدود أمنية ميدانية داخل الأراضي السورية من خلال إنشاء طريق عسكري يمتد من الشمال إلى الجنوب، مزوداً بنقاط مراقبة وتمركز.
92 اختراقاً خلال آب
وعلى مستوى الحركة اليومية للقوات، أشار المصدر العسكري إلى تسجيل نحو 92 اختراقاً خلال شهر آب/أغسطس.
أشار المصدر العسكري إلى تسجيل نحو 92 اختراقاً خلال شهر آب/أغسطس
وأوضح أن وتيرة هذه التحركات ترتفع وتنخفض تبعاً للنشاط العسكري، إلا أن طبيعة الاختراقات لم تشهد، وفق تقديره، تحولاً نوعياً منذ سقوط النظام السابق وحتى الآن، وإنما تتغير أساساً من حيث العدد وفق طبيعة النشاط الإسرائيلي في المنطقة.
وتظهر خريطة الانتشار والتوغلات، إلى جانب شق الطرق وتثبيت المواقع العسكرية، إلى أن الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا بات يتخذ أشكالاً متعددة، بين مواقع ثابتة وتوغلات مؤقتة وشبكة من الطرق والتحصينات. وبينما تؤكد المصادر أن طبيعة الاختراقات لم تشهد تحولاً نوعياً، فإن استمرار تثبيت المواقع وتوسيع شبكة الحركة يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا الانتشار ومدى استمراره ومستقبله في ظل التطورات الميدانية والسياسية في المنطقة