قصائد من الشعر بقيت في الذاكرة العربية، فيما انمحت من حولها تواريخ أصحابها وأنسابهم وأخبارهم وحتى أسماؤهم، فصار الشعر شاهداً على حياة لا نعرف عنها إلا ما حفظته اللغة.
من هذه المفارقة ينطلق الدكتور ياسر حمدو الدرويش في كتابه الصادر تحت عنوان: ديوان المجاهيل، جامعاً أصواتاً وصل نتاجها إلى كتب التراث، بينما تعذر على مؤرخي الأدب تثبيت مواقع أصحابها على خريطة العصور.
ولا تعني الجهالة هنا غياب اسم الشاعر دائماً، فقد يُعرف اسمه وتُجهل سنة وفاته أو قبيلته أو الحقبة التي عاش فيها، وقد يصل النص من دون خبر يوضح مناسبته، وبهذا يحوّل الديوان النقص في سيرة الشاعر إلى موضوع للبحث، ويعيد قراءة القصائد خارج الضوء الذي استأثر به أصحاب المعلقات والمشاهير من الشعراء.
عشر سنوات خلف الأثر
بدأ الكتاب جزءاً من مشروع أوسع لجمع شعر العرب قبل الإسلام، المطبوع منه والمخطوط، والمجموع والمبعثر، حيث يوضح الدكتور الدرويش في حديث مع سانا أن المشروع انطلق قبل نحو عشر سنوات، وأن خطوته الأولى كانت حصر الشعراء الذين عاشوا وماتوا قبل الهجرة النبوية، وهي مهمة بدت واضحة في ظاهرها، ثم كشفت عن مناطق واسعة من الالتباس التاريخي.
ويختصر المؤلف جوهر المعضلة بقوله: “العقبة الكؤود في مشروعي هذا كانت في معرفة زمن الشاعر، لأن تحديد العصر يقرر إدراج الشاعر بين الجاهليين أو تأخيره إلى المخضرمين”.
ولم يكتفِ الدرويش بجمع النصوص، إذ راجع أخبار أصحابها، فاكتشف أن بعض الشعراء الذين صنفتهم المصادر جاهليين كانوا من المخضرمين.
قرائن تنقّب عن الزمن
تحرك الدرويش بين كتب التراجم ومعاجم الشعراء ومصادر الأدب، ومنها الأغاني والعقد الفريد والبيان والتبيين، باحثاً عن إشارات صغيرة يمكن أن ترد الشاعر إلى عصره، فإذا غاب النص الصريح، لجأ إلى أسماء معاصريه، وقارن سلسلة نسبه بأنساب شخصيات معلومة الزمن، ثم عاد إلى القصيدة نفسها ليستنطق ما فيها من وقائع وأيام وأعلام.
ويعامل هذا المنهج النص الشعري كوثيقة تحمل تاريخها في داخلها، فذكر معركة أو شخص قد يضيء زمناً غامضاً، كما يمكن لمفردة ذات دلالة إسلامية أن تنقل الشاعر من الجاهلية إلى المخضرمين أو الإسلاميين.
وفي معرض وصفه لترتيب العمل يقول الدرويش: “قدّمت المعروف المشهور، وأخّرت ما يحتاج إلى بحث وتحرٍّ”، وهي عبارة تكشف صبراً توثيقياً يقوم على تعليق الحكم إلى أن تتضافر القرائن.
الشعر يراجع ذاكرته
أسفرت المرحلة الأولى عن أكثر من أربعمئة شاعر ملتبس العصر، أمضى الباحث ما يزيد على ثلاثة أشهر في تتبع أخبارهم، وباستخدام أدوات المقارنة استطاع، وفق شهادته، تحديد عصر أكثر من مئتين، فيما بقي آخرون خارج التصنيف، فشكّلوا مادة هذا الديوان، ويقول موضحاً حدود المصطلح: “المقصود أنهم مجهولون من حيث تحديد سنة الوفاة والعصر”، وقد تجتمع إلى ذلك جهالة النسب والأخبار، فلا يبقى من بعضهم سوى الاسم والشعر.
تكمن قيمة الكتاب في أنه يراجع صورة التاريخ الأدبي من أطرافها، ويذكّر بأن شهرة الشاعر ليست المعيار الوحيد لجودة ما وصل عنه، وأن ضياع الترجمة لا يعني بالضرورة ضعف النص، إنه عمل يعيد الهامش إلى المتن، ويمنح الباحثين مادة لاستكمال دراسة الألفاظ والموضوعات وتحولات الأسلوب، مؤكداً أن الذاكرة الأدبية لا تقتصر على الأسماء اللامعة وحدها، فهي تضم أيضاً أصواتاً قاومت الغياب بأبياتها.
الكتاب ومؤلفه
صدر ديوان المجاهيل في طبعته الأولى عن دار الكتب العلمية في بيروت عام 2025، ويقع في 184 صفحة من القطع المتوسط، ليشكّل حلقة ضمن مشروع بحثي يتتبع الشعر العربي القديم، ويجمع ما تفرق من نصوصه في المصادر والمعاجم وكتب التراجم.
والدرويش باحث سوري حاصل على الدكتوراه من جامعة حلب، وأستاذ مشارك في علوم اللغة بجامعة الملك خالد، متخصص في أصول اللغة، وتتركز اهتماماته البحثية في الشعر الجاهلي والمعاجم، ومن مؤلفاته شاعرات الجاهلية، والمستدرك على مجاميع الشعر الجاهلي، والمعجم المفهرس لموضوعات الشعر الجاهلي، كما أسهم في تحرير معجم الشارقة التاريخي للغة العربية ومراجعته