سوريا.. من توحيد السلاح إلى ترسيخ أمن المنطقة

السبت, 15 أغسطس - 2026
مدينة دمشق
مدينة دمشق


تتغير معادلة الأمن في المنطقة من جذورها، مع صعود قاعدة حصرية السلاح بيد ‏الدولة في مقابل تراجع منطق التشكيلات المسلحة العابرة لحدودها.‏
وفي قلب هذا التحول تقف سوريا التي انتقلت من تعدد القوى والكيانات المسلحة إلى ‏مسار يقوم على توحيد القرار الأمني والعسكري، بالتوازي مع تحركات مماثلة في ‏العراق ولبنان لإعادة تثبيت سلطة الدولة ومنع استخدام أراضيهما في صراعات ‏إقليمية.‏
وفي هذا السياق أكد وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني خلال زيارته في آب ‏الجاري إلى تركيا، ولقائه وزير خارجيتها هاكان فيدان، أن المنطقة تتجه بوضوح إلى ‏إرساء قاعدة وحيدة للاستقرار قوامها إنهاء أي تشكيلات مسلحة خارج الإطار ‏الشرعي، مشيراً إلى أن سوريا اتفقت على دعم المساعي والخطوات التي يقودها ‏الأشقاء في العراق ولبنان لتعزيز استقرار المنطقة.‏
ويكتسب هذا الطرح خصوصيته من التحول الذي شهدته سوريا نفسها، إذ كانت البلاد ‏خلال حكم النظام البائد ساحة مفتوحة لتعدد القوى المسلحة وتداخل مراكز القرار ‏الأمني والعسكري، ضمن شبكة نفوذ إقليمية استفادت منها إيران في بناء امتداد ‏من العراق عبر الأراضي السورية إلى لبنان، ما أبقى المنطقة أمام حالة مزمنة من ‏عدم الاستقرار واستخدام السلاح خارج سلطة الدولة.‏
من الفصائل إلى الدولة
ومع انتقال سوريا من مرحلة التحرير إلى مرحلة بناء الدولة، برز تحدي إعادة تنظيم ‏القوى التي شاركت في إسقاط النظام البائد، بما يمنع تحول التعدد العسكري الذي ‏فرضته سنوات الحرب إلى تعدد دائم في مراكز القوة داخل الدولة الجديدة.‏
وكانت البداية واضحة في الاجتماع الذي جمع قائد الإدارة السورية الجديدة آنذاك ‏أحمد الشرع بقادة الفصائل الثورية في 24 كانون الأول 2024، وأسفر عن اتفاق ‏لحل جميع الفصائل ودمجها تحت مظلة وزارة الدفاع التي بدأت في السادس من ‏كانون الثاني 2025 جلسات مع الفصائل العسكرية لوضع خطوات انخراطها في ‏الوزارة وخارطة طريق لتحقيق الاستقرار في البنية التنظيمية للقوات المسلحة.‏
وبذلك، لم يكن توحيد الفصائل مجرد إعادة هيكلة عسكرية، بل جزء من بناء الدولة ‏نفسها، وإنهاء المرحلة التي يكون فيها السلاح موزعاً بين كيانات متعددة، والانتقال ‏إلى جيش ومؤسسات أمنية وقرار سيادي واحد.‏
ومع تقدم هذا المسار، اتجهت الإدارة السورية أيضاً إلى معالجة الملفات المرتبطة ‏بالمكونات السورية المختلفة على قاعدة الشراكة داخل الدولة، بما يحول دون أن ‏تتحول الخصوصيات القومية أو السياسية إلى مبرر لبقاء تشكيلات عسكرية مستقلة ‏عنها.‏
قسد.. من الاتفاق إلى التنفيذ
شكل ملف “قسد” الاختبار الأكثر تعقيداً في مسار توحيد الدولة، نظراً إلى امتلاكها ‏بنية عسكرية وإدارية واسعة في شمال شرق سوريا، وارتباط الملف بتوازنات إقليمية ‏ودولية، ولا سيما الدور الأمريكي.‏
وفي العاشر من آذار 2025، جاء الاتفاق بين الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي ‏ليضع إطاراً لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة ‏الدولة السورية، بما يشمل المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز، إلى جانب ‏التأكيد على وحدة الأراضي السورية ورفض دعوات التقسيم، وضمان حقوق المجتمع ‏الكردي.‏
وانتقل هذا المسار في 29 كانون الثاني 2026 إلى مرحلة جديدة من التفاهمات ‏التنفيذية المتعلقة بمستقبل الحسكة وآليات الدمج، بما في ذلك دمج القوات العسكرية ‏والأمنية لـ”قسد” ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، ودمج المؤسسات المدنية ضمن هيكل ‏الحكومة السورية، مع استمرار النقاش حول التفاصيل التنفيذية.‏
وتعزز المسار خلال الأيام الأخيرة، ففي الثالث من آب الجاري، بحث الرئيس الشرع ‏مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني العلاقات بين الجانبين ومستجدات ‏المنطقة، وأكد بارزاني دعمه لسوريا مستقرة وموحدة تصان فيها حقوق جميع ‏مكوناتها، مشيراً إلى أهمية دور سوريا في تعزيز السلام والأمن والاستقرار في ‏المنطقة.‏
وفي اليوم التالي، استقبل الرئيس الشرع مظلوم عبدي في قصر الشعب، وبحث معه ‏استكمال تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني ومتابعة مسار الاندماج ضمن مؤسسات ‏الدولة.‏
وتكشف هذه التطورات أن مسار “قسد” انتقل من مرحلة الاتفاق على المبدأ إلى ‏مرحلة التنفيذ والمتابعة، فيما تبقى بعض التفاصيل التنفيذية قيد الاستكمال، بما يعزز ‏الاتجاه نحو دولة موحدة تحتكر مؤسساتها القرارين الأمني والعسكري.‏
واشنطن.. سوريا الموحدة وتقاطع المصالح
ولم يكن الانتقال السوري نحو الدولة الموحدة منفصلاً عن إعادة بناء العلاقة مع ‏الولايات المتحدة، التي بدأت تنظر إلى استقرار سوريا ووحدتها باعتبارهما مدخلاً ‏لإعادة بناء العلاقة الثنائية وفتح آفاق التعاون الاقتصادي والأمني.‏
ففي السابع من تموز الماضي، أشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاستقرار الذي ‏حققه الرئيس أحمد الشرع وقدرته على توحيد البلاد، وخلال لقائهما معاً في أنقرة في ‏اليوم التالي أعلن ترامب بدء إجراءات إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، ‏موضحاً أن الخطوة تهدف إلى إزالة العوائق أمام إعادة بناء سوريا وتعميق الشراكة ‏بين البلدين.‏
ويتقاطع ذلك مع انخراط سوريا في ترتيبات الأمن الدولي، إذ رحب التحالف الدولي ‏ضد تنظيم داعش في شباط الماضي بانضمامها عضواً جديداً، وأكد استعداده للعمل ‏مع الحكومة السورية لدحر التنظيم، كما رحب بالاتفاق الشامل بين الحكومة السورية ‏و”قسد” وترتيبات دمج قواتها ضمن مؤسسات الدولة، منوهاً بنية الحكومة السورية ‏تولي القيادة الوطنية لجهود مكافحة داعش.‏
وبذلك، فإن الرسالة التي قدمتها دمشق إلى واشنطن وشركائها تقوم على معادلة سوريا ‏الموحدة والمستقرة، القادرة على ضبط أراضيها ومكافحة الإرهاب، والانفتاح على ‏التعاون الاقتصادي والسياسي الدولي، بما يحفظ وحدة البلاد وسيادتها.‏
إسرائيل.. ضغط على الدولة في مواجهة مسار التثبيت
وفي موازاة مسار بناء الدولة، واجهت سوريا تحديات خارجية، في مقدمتها الاعتداءات ‏والتوغلات الإسرائيلية، التي جاءت في وقت كانت فيه دمشق تعمل على تثبيت ‏مؤسسات الدولة وتدفع باتجاه الخيارات الدبلوماسية لحل أزمات المنطقة.‏
وفي تموز 2025، صعدت إسرائيل اعتداءاتها على دمشق، وطالت الغارات مبنى ‏وزارة الدفاع ورئاسة الأركان العامة ومحيط القصر الرئاسي، ما أدى إلى سقوط قتلى ‏وجرحى وأضرار مادية، في استهداف طال مؤسسات سيادية في قلب العاصمة.‏
وجاء ذلك في وقت كانت فيه دمشق تتمسك بالمسار الدبلوماسي، إذ أكد الرئيس ‏الشرع أن سوريا تعمل على التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل بمشاركة عدة دول، ‏وتسعى إلى تجنب المواجهة العسكرية، مع التأكيد على أن أي اتفاق لن يمس حقوق سوريا ‏في الجولان السوري المحتل.‏
وتظهر هذه التطورات أن مسار تثبيت الدولة السورية واجه ضغوطاً خارجية بالتزامن ‏مع عملية إعادة بناء مؤسساتها، إلا أن دمشق تمسكت بخيار الدولة والحل ‏الدبلوماسي، بما يحول دون دفع البلاد إلى مواجهة جديدة تعيد إنتاج بيئة الفوضى ‏والاصطفافات المسلحة.‏
لبنان.. القرار يعود إلى الدولة
إذا كانت سوريا قد خاضت تجربة الانتقال من تعدد القوى المسلحة إلى توحيد ‏المؤسسات، فإن لبنان يواجه اليوم استحقاقاً مشابهاً، وإن كان ضمن ظروف مختلفة.‏
ففي الثاني من آذار 2026 أعلن مجلس الوزراء اللبناني الحظر الفوري للنشاطات ‏الأمنية والعسكرية لميليشيا حزب الله، وأكد أن قرار الحرب والسلم حصراً بيد الدولة، ‏وطالب الميليشيا بتسليم سلاحها وحصر عملها في المجال السياسي، في خطوة ‏ربطتها الحكومة بتكريس حصرية السلاح وتعزيز سيادة الدولة على كامل أراضيها.‏
ورحبت جامعة الدول العربية بالقرار، وشددت على ضرورة بسط سلطة الدولة اللبنانية ‏الكاملة وحصر السلاح بالمؤسسات الشرعية، ولا سيما الجيش والقوى الأمنية الرسمية.‏
كما جدد الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في حزيران الدعوة ‏إلى تكريس حصرية السلاح بيد الدولة، بما يعكس انتقال النقاش من مجرد تنظيم ‏العلاقة بين القوى السياسية إلى مسألة جوهرية تتصل بمن يمتلك قرار الحرب والسلم ‏ومن يملك حق استخدام القوة داخل البلاد.‏
وبذلك، يتحرك لبنان باتجاه ترسيخ منطق الدولة صاحبة القرار الأمني، وهو منطق ‏يلتقي مع المسار الذي بدأت سوريا بتثبيته داخلياً بعد تحرير البلاد.‏
العراق.. منع السلاح من تحويل البلاد إلى ساحة
أما العراق، فيواجه اختباراً أكثر تعقيداً، في ظل وجود فصائل مسلحة موالية لإيران ‏تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً واسعاً.‏
وتتضح حساسية هذا الملف مع استمرار انطلاق اعتداءات على دول المنطقة من ‏الأراضي العراقية.‏
فقد أعلنت السعودية في تموز اعتراض طائرات مسيرة أطلقتها ميليشيات موالية لإيران ‏من العراق باتجاه أراضيها ومنشآتها، وطالبت الحكومة العراقية باتخاذ الإجراءات ‏اللازمة لمنع استخدام أراضيها منطلقاً لمثل هذه الاعتداءات.‏
وفي تطور أكثر ارتباطاً بمسار الدولة، رحبت دول مجلس التعاون والأردن بقرار ‏رئيس الوزراء العراقي حصر السلاح بيد الدولة في موعد أقصاه 30 أيلول 2026، ‏ودعمت الإجراءات العراقية الرامية إلى منع الفصائل والميليشيات والجماعات ‏المسلحة الموالية لإيران من شن عمليات ضد دول المنطقة انطلاقاً من الأراضي ‏العراقية.‏
ويحمل هذا المسار بعداً يتجاوز أمن العراق الداخلي، إذ إن حصر السلاح بيد الدولة ‏يعني عملياً منع تحويل الأراضي العراقية إلى منصة لصراعات الآخرين، وتعزيز قدرة ‏بغداد على حماية علاقاتها العربية، وفي مقدمتها علاقاتها مع السعودية ودول الخليج.‏
من العمق الاستراتيجي للنفوذ إلى جسر للاستقرار
وفي ضوء هذه التطورات، تتضح خصوصية التجربة السورية التي انتقلت من معالجة ‏تعدد الكيانات المسلحة داخل البلاد إلى طرح حصرية السلاح كقاعدة للاستقرار في ‏محيطها الإقليمي.‏
فبعد أن كانت سوريا خلال حكم النظام البائد جزءاً من شبكة إقليمية استندت إلى ‏تعدد القوى المسلحة والحدود المفتوحة أمام النفوذ الإيراني، تتجه اليوم إلى بناء دولة ‏موحدة قادرة على ضبط أراضيها وقرارها الأمني وعلاقاتها الإقليمية.‏
ومن هذه الزاوية، يصبح دعم دمشق لمساعي العراق ولبنان في حصر السلاح بيد ‏الدولة امتداداً طبيعياً لتجربتها الداخلية، وإن كانت لكل دولة ظروفها ومساراتها ‏الخاصة.‏
فالمعادلة التي تتبلور في المنطقة تقوم على قاعدة بسيطة: لا استقرار دائماً مع تعدد ‏الجيوش، ولا سيادة كاملة مع تعدد مراكز القرار، ولا أمن إقليمياً إذا بقيت أراضي ‏الدول ساحات مفتوحة أمام صراعات القوى الخارجية.‏
ولذلك، فإن المسار السوري من حل الفصائل ودمجها ضمن وزارة الدفاع، إلى ‏استكمال دمج “قسد” ومؤسساتها ضمن الدولة، يكتسب بعداً يتجاوز الحدود السورية، ‏ليلتقي مع النقاش الدائر في العراق ولبنان حول حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم.‏
وعلى هذا الأساس، لا تبدو عبارة الشيباني عن “قاعدة وحيدة للاستقرار” مجرد ‏توصيف لمرحلة سياسية، بل خلاصة لمسار إقليمي آخذ في التشكل: دول تستعيد ‏قرارها، وسلاح يعود إلى مؤسساتها، وحدود تتحول من ساحات للنفوذ إلى أدوات ‏لحماية السيادة، وسوريا تنتقل من كونها حلقة في شبكة الفوضى الإقليمية إلى عامل ‏دفع باتجاه ترسيخ منطق الدولة والاستقرار.‏