بعد سبعة عشر شهراً على سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، تقف سوريا اليوم عند نقطة مفصلية وتاريخية في مسار السعي نحو المساءلة والمحاسبة. فقد اختزلت التطورات القضائية والأمنية المتسارعة الأخيرة التوتر الكامن في قلب مسار العدالة الانتقالية، مظهراً كبار أركان النظام والمتحكمين بالمفاصل الأمنية أمام القضاء، ومثيراً في الوقت نفسه أسئلة مشروعة وقلقاً لدى الخبراء والمدافعين عن حقوق الإنسان حول جاهزية البنية القضائية الحالية لتقديم عدالة شاملة تُنصف الناجين والضحايا.
بين رمزية الأحكام والقلق القانوني
شهد نيسان/أبريل 2026 محطات قضائية وأمنية بارزة؛ إذ افتُتحت محاكمة عاطف نجيب، العميد والرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا وابن خال بشار الأسد، والتي تُوجت لاحقاً بصدور أولى الأحكام القضائية الرئيسية بحقه ضمن هذا المسار التاريخي. وقبل يومين فقط من بدء محاكمته، أعلنت السلطات الأمنية اعتقال أمجد يوسف، المنفّذ الرئيسي لمجزرة حي التضامن الشهيرة بدمشق عام 2013.
ورغم ما تحمله هذه المحاكمات والاعتقالات من رمزية عالية وإعادة اعتبار للضحايا—إذ وضعت أجهزة الأمن فوق القانون سابقاً تحت طائلة المحاسبة الفعلية—فقد أثارت أيضاً مخاوف قانونية وهيكلية جادة لدى المراقبين:
الغياب التشريعي للجرائم الدولية: لا يزال القانون الجنائي السوري يخلو من أحكام وطنية مخصصة لتعريف وملاحقة "الجرائم ضد الإنسانية" أو "جرائم الحرب" بوصفها مفاهيم قانونية مستقلة ذات أركان واضحة.
الفراغ التشريعي والتنظيمي: لم يُقر بعد قانون جامع للعدالة الانتقالية، في ظل عدم انعقاد البرلمان، ما تجلى في الاعتماد الحالي على قوانين وقضاة وهيئات شُكلت بموجب مراسيم رئاسية.
محدودية نطاق عمل الهيئة: تقتصر صلاحيات "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية" قانونياً على الانتهاكات والجرائم المرتكبة من قبل حكومة النظام المخلوع، وهو ما يطرح تساؤلات حول أطر المساءلة الشاملة.
إشراك الضحايا ورفع الوعي المجتمعي
تفتح هذه اللحظة الاستثنائية باب النقاش حول جوهر العدالة المعمول بها حالياً في سوريا؛ هل نحن أمام مسار متين قادر على حمل إرث مهول من الإخفاء القسري، والتعذيب الممنهج، والبراميل المتفجرة، والمقابر الجماعية؟ أم أنها مجرد إجراءات استعراضية سريعة لامتصاص الغضب الشعبي دون المساس بالبنى التشريعية التي أسست للإفلات من العقاب عقوداً طويلة؟
وفي هذا السياق، شدد قياديون وأعضاء في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية—من بينهم المحامي رديف مصطفى—على أن إشراك الضحايا والشهود يمثل الركن الأساسي في هذا المسار، بدعوتهم المستمرة لتقديم الإفادات والوثائق المتعلقة بالجرائم الجسيمة المرتكبة، ولا سيما خلال فترة تولي كبار القادة والمسؤولين الأمنيين (مثل وزير الداخلية الأسبق محمد الشعار) مواقع قيادية في عهد النظام السابق.
وتستند الهيئة في آلية جمع الأدلة والشهادات إلى منصتين قضائيتين ورسميتين:
إدارة المساءلة والمحاسبة التابعة للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مباشرة.
غرف النيابات العامة المختصة بالعدالة الانتقالية الموزعة في المحافظات السورية.
والهدف من هذه الآلية هو إخضاع جميع الادعاءات للتقييم والتمحيص القانوني الدقيق، لربط الوقائع بالشهادات الموثقة وتدعيم الملفات الجنائية، بما يمنع صبغ المحاكمات بالطابع السياسي أو الشكلي.
رؤى الفاعلين: الوعود والمخاطر
وفي حوار ضم المتخصصين نظمته "مبادرة الإصلاح العربي" حول مسار العدالة في سوريا قراءات متعددة ومتقاطعة لواقع ومستقبل العمليةجاءت الرؤى على السياق التالي :
الموقف الرسمي للهيئة
اكدت الاستاذة زهرة البرازي، نائبة رئيس الهيئة أن إطلاق المحاكمات وإصدار الأحكام بحق أركان النظام يشكلان خطوة أولى وعملية لنقل العدالة من الأطر النظرية إلى الواقع التطبيقي، مع الالتزام بتطوير أدوات التحقيق وإشراك الناجين لتأسيس مرحلة سيادة القانون.
رؤية خبراء العدالة الانتقالية:
فيما ينبه الخبير في مسار العدالة الانتقالية في حديثه للجزيرة نت مصطفى حايد إلى ضرورة الموازنة بين "سرعة الإجراءات" لتلبية تطلعات الشارع، وبين "التسرع" الذي قد يضر بمعايير المحاكمة العادلة والنقل الأمين للحقيقة لل أجيال القادمة.
رؤية المنظمات الدولية :
فيما اكدت السيدة هبة زيادين، هيومن رايتس ووتش للجزيرة نت على أهمية إصلاح البنية التشريعية الجنائية، واستحداث نصوص صريحة تجرّم الجرائم الدولية، وضمان الاستقلالية التامة للسلطة القضائية والنظر بعين الاعتبار لملف المفقودين والكشف عن أمكنتهم.
الطريق إلى الأمام
إن القيمة الحقيقية للأحكام الصادرة اليوم لا تقاس فقط بقدرتها على معاقبة شخوص النظام السابق، بل بمدى نجاحها في وضع اللبنات الأولى لدولة المؤسسات والمواطنة المتساوية. ولكي لا يتحول هذا المسار إلى مجرد محاكمات متفرقة، تتطلب المرحلة القادمة تضافر ثلاث خطوات مفصلية:
سَنّ قانون شامل للعدالة الانتقالية يتضمن ملاءمة التشريعات الوطنية مع القانون الدولي الجنائي.
توسيع مشاركة الضحايا والناجين ودعمهم حمايةً ورعايةً لتقديم شهاداتهم دون خوف.
تطوير آليات للكشف عن الحقيقة ومعالجة ملف المفقودين والمقابر الجماعية بالتوازي مع المسار الجنائي والمحاكمات.