أفردت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية مساحة واسعة لتحليل المشهد السوري الراهن، مركزة على حزمة من التحديات والملفات الحساسة التي تواجه الإدارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع. واستعرضت المجلة في قراءتها التحليلية طبيعة المأزق الذي تواجهه المؤسسات الناشئة في محاولتها للموازنة بين الضغوط والمطالب الشعبية الداخلية، وبين الشروط والمتطلبات الدولية المرتبطة بالاعتراف وإعادة الإعمار.
وفي مقدمة هذه الملفات، برزت معضلة العدالة الانتقالية والمحاسبة؛ حيث أشار تقرير للصحفية ديبورا أموس إلى أن الإدارة الجديدة تجد نفسها أمام مسارين متوازيين يصعب الجمع بينهما. ويتمثل المسار الأول في الاستجابة للضغوط المحلية والحقوقية المتصاعدة لإنزال عقوبات رادعة ومشددة، بما فيها أحكام الإعدام، بحق المتورطين في انتهاكات النظام السابق تلبية لمطالب الضحايا. أما المسار الثاني فيرتبط بالموقف الدولي، حيث تضع الدول الغربية ملف حقوق الإنسان كشرط أساسي لرفع العقوبات، معلنة معارضتها الصارمة لأحكام الإعدام أو المحاكمات الاستثنائية التي لا تلتزم بمعايير القضاء الدولي النزيه. وخلص التحليل إلى أن حسم هذا الملف يتطلب موازنة دقيقة بين تلبية التطلعات الشعبية الفورية للمحاسبة، وبين الحفاظ على قنوات الدعم السياسي والاقتصادي الخارجي.
وعلى الصعيد التنموي والمعيشي، ناقشت تقارير المجلة التباين في تحديد أولويات التعافي الاقتصادي. ولفتت التغطية الصحفية إلى وجود فجوة واضحة بين المطالب الملحة للشارع السوري، المتمثلة في تأهيل قطاع الخدمات وتوفير السلع الأساسية والمواد الغذائية والوقود لشرائح واسعة تعاني من تداعيات الحرب، وبين التوجهات الاستثمارية المطروحة التي تركز على إطلاق مشاريع استثمارية وعقارية كبرى تهدف إلى جذب رؤوس الأموال الخارجية وإبراز مظاهر التعافي العمراني كواجهة للمرحلة الجديدة.
وفي البُعد الاجتماعي والثقافي، تطرقت تحليلات المجلة إلى التحديات الناجمة عن التفاعل الإداري والتنظيمي في المدن الكبرى، وفي مقدمتها العاصمة دمشق. وأوضح مطلعون على الشأن السوري للمجلة أن استقرار المرحلة الانتقالية يعتمد بشكل وثيق على قدرة المؤسسات الناشئة على صياغة قوانين تضمن الحريات المدنية وتراعي التنوع الاجتماعي والثقافي التاريخي للمجتمع السوري، وتجنب القرارات التي قد تُفسر على أنها تقييد للمظاهر العامة أو أنماط الحياة المجتمعية السائدة.