تواصل رواية "أوراق برلين" للروائي السوري نهاد سيريس حضورها في المشهد الأدبي بوصفها عملاً يستعيد أسئلة المنفى والذاكرة، عبر مقاربة سردية تربط بين دمار حلب ودمار برلين خلال الحرب العالمية الثانية.
تدور أحداث الرواية في برلين المعاصرة، خلال فصل الشتاء، حيث يتتبع القارئ يوميات كاتب سوري يقيم في المدينة، يتنقل بين أحيائها مثل شبانداو وداهلم وشارلوتنبرغ، مسجلاً تفاصيل حياته اليومية وتأملاته، قبل أن تنفتح السردية على تاريخ المدينة المثقل بالحروب والخراب. ومن خلال شخصيات يلتقيها، يستعيد النص فصولاً من الماضي الألماني، ويعقد مقارنات إنسانية مع ما شهدته حلب من دمار حديث.
تحضر في الرواية شخصيات رئيسية، منها “كريستا” المصورة الفوتوغرافية السابقة التي تحولت إلى المسرح، ووالدتها "هيلدا" التي تمثل ذاكرة حية لحقبة النازية وقصف الحلفاء ودخول الجيش الروسي إلى برلين. كما يستدعي العمل شخصية الرسام الألماني أوتو ديكس، في إشارة إلى دور الفن في توثيق الحروب ومقاومة النسيان.
وتتناول "أوراق برلين" قضايا الذاكرة والاغتراب والاندماج، وتسلط الضوء على أثر الحروب في حياة المدنيين، خصوصاً النساء والأطفال، مع إبراز الفن والكتابة كوسيلتين لمواجهة الموت وتخليد التجربة الإنسانية. ويعتمد سيريس أسلوباً سردياً هادئاً يجمع بين التفاصيل اليومية والتأملات الفكرية، مع حضور واضح للتناص الأدبي والفني.
نهاد سيريس، المولود في حلب عام 1950، من أبرز الروائيين السوريين المعاصرين. درس الهندسة المدنية في بلغاريا وحصل على درجة الماجستير عام 1976، قبل أن يبدأ مسيرته الأدبية في ثمانينات القرن الماضي. صدرت له عدة روايات، من بينها "رياح الشمال"، و"الصمت والصخب"، و"خان الحرير" التي تحولت إلى مسلسل تلفزيوني، إلى جانب أعمال مسرحية ودرامية أسهمت في تكريس حضوره في المشهد الثقافي السوري.
وتبقى "أوراق برلين" واحدة من أعماله التي تعكس تداخل الخاص بالعام، وتعيد مساءلة معنى الوطن والمنفى، عبر سرد إنساني يربط بين مدينتين جمعت بينهما تجربة الدمار وإرادة الحياة.