عند إشارة فيكتوريا… سيرة رجل من ذاكرة الشارع الدمشقي

بثينة الخليل
الأربعاء, 11 فبراير - 2026

في تقاطع فيكتوريا وسط دمشق، يقف محمد زياد شهوان كما اعتاد أن يفعل منذ أكثر من خمسة عقود. حركة يده مألوفة، وصافرته جزء من إيقاع المكان. بالنسبة لكثيرين ممن يعبرون التقاطع يومياً، حضوره ليس طارئاً، بل ثابت من ثوابت المشهد.


شهوان، البالغ من العمر 81 عاماً، التحق بسلك الشرطة عام 1968. ووفق ما يرويه في فيديوهات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد أُحيل إلى التقاعد في تسعينيات القرن الماضي، لكنه عاد إلى عمله بعقد مستمر، مفضلاً البقاء في موقعه على الجلوس في المنزل.


في تلك المقاطع المصوّرة، يتحدث بهدوء عن علاقته بالمهنة. يقول إنه لا يريد أن يكون عالة على المجتمع، ويشعر أن لديه طاقة ما زال قادراً على تقديمها. يصف مكان عمله بأنه “بيته الثاني”. ويذكر أنه حين اضطر للبقاء في المنزل مدة شهرين، شعر بالاكتئاب والخمول، ما دفعه للعودة إلى التقاطع الذي يعرفه جيداً.


أكثر ما لفت الانتباه في حديثه، كما ظهر في الفيديوهات المتداولة، إصراره على أنه لم ينظم مخالفة مرورية واحدة منذ التحاقه بالخدمة عام 1968. يوضح أنه يفضل النصح على العقوبة، ويخشى الوقوع في الظلم. بالنسبة له، الكلمة المباشرة والتنبيه الهادئ أكثر تأثيراً من المخالفة المكتوبة.


هذا الأسلوب انعكس على علاقته بالسائقين. في المقاطع نفسها، يظهر عدد من المواطنين وهم يتحدثون عنه باحترام واضح. بعضهم يقول إنه يعرفه منذ الطفولة، وآخرون يؤكدون أن وجوده في التقاطع يضفي نوعاً من الانضباط الذي اعتادوه. تتكرر الإشارة إلى نزاهته، وإلى أنه لم يُعرف عنه تقاضي رشوة.


شهوان يخدم في الموقع نفسه منذ عقود. تقاطع فيكتوريا من أكثر تقاطعات العاصمة ازدحاماً، ومع ذلك استطاع أن يحافظ على حضور مستمر فيه، حتى بات اسمه مرتبطاً بالمكان. سائقو سيارات الأجرة، على وجه الخصوص، يبدون معرفة شخصية به، ويتبادلون معه التحية بشكل يومي.


في حديثه المصوّر، يدعو شهوان رجال الشرطة إلى محبة عملهم والالتزام بالقانون، مع معاملة المواطنين باحترام. يقول إن لكل إنسان رسالة يجب أن يؤديها على أكمل وجه، ويبدو أنه ينظر إلى عمله من هذا المنظور.


قصة محمد زياد شهوان، كما ظهرت في الفيديوهات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، لا تختصر في عدد سنوات خدمته الطويلة، بل في الطريقة التي اختار أن يؤدي بها عمله. رجل في الحادية والثمانين من عمره، ما زال يقف يومياً في تقاطع مزدحم، لأنه ببساطة يرى أن مكانه هناك. بالنسبة له، الاستمرار ليس قراراً إدارياً بقدر ما هو قناعة شخصية تشكّلت عبر سنوات طويلة من الوقوف في الشارع وبين الناس.


في مدينة تتغير تفاصيلها باستمرار، يبقى شهوان واحداً من الوجوه التي اعتادها المارة. ليس لأنه أقدم شرطي مرور فحسب، بل لأنه اختار أن يستمر.