قلعة جعبر… عودة الذاكرة إلى ضفاف الفرات

بثينة الخليل
السبت, 31 يناير - 2026
قلعة جعبر
قلعة جعبر

بعد تحرير الجيش العربي السوري لقلعة جعبر ومحيطها من تنظيم "قسد"، عاد أحد أبرز المعالم التاريخية في ريف الرقة الغربي إلى واجهة المشهد، وفتحت أبوابه أمام الأهالي بعد سنوات من الغياب القسري، عقب استخدامه لأغراض عسكرية أبعدت السكان عنه.


وشكّل هذا التحول نقطة فارقة في علاقة أبناء المنطقة مع أحد أكثر مواقعهم ارتباطاً بالذاكرة المحلية. فمع انسحاب القوى المسيطرة، بدأت العائلات بالوصول إلى القلعة عبر بحيرة الفرات، في زيارات اتسمت بطابع احتفالي عفوي، عبّر خلالها الأهالي عن عودتهم إلى مكان ظل حاضراً في وجدانهم رغم سنوات الانقطاع.


احتفال شعبي وعودة الحياة المدنية

مشاهد الأهالي وهم يتجولون في باحات القلعة ويصعدون إلى أسوارها المطلة على الفرات تحولت إلى صور متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، عكست حالة وجدانية جامعة. أطفال يلتقطون الصور، شبان يستعيدون حكايات سمعوها من آبائهم، وعائلات جاءت لتؤكد عودة القلعة إلى فضائها الطبيعي بعد أعوام من الإغلاق.

محمد الأحمد، من أهالي الرقة، قال خلال زيارته:

"أول ما شفت القلعة حسّيت إنها رجعتلنا… هي جزء من ذاكرتنا".

أما عبد الرحمن محمد، فاعتبر أن القلعة تمثل رمزاً لا ينفصل عن المدينة، قائلاً:

"قلعة جعبر معلم أساسي للرقة، كبرنا ونحن نسمع عنها واليوم رجعنا نمشي فيها".


زيارة رسمية وإعادة إدراج ثقافي

تزامناً مع عودة الأهالي، زار وزير الثقافة محمد الصالح القلعة ضمن جولة شملت مواقع أثرية في المنطقة بعد استعادة السيطرة الحكومية. وحملت الزيارة دلالة ثقافية تمثلت في إعادة إدراج القلعة ضمن الخارطة الثقافية السورية بعد سنوات من تغييب دورها الحضاري.

وخلال الزيارة، أشار الصالح إلى أن الوزارة تعمل على تقييم الأضرار التي لحقت بالموقع، ووضع تصورات لإعادة تفعيل دوره الثقافي والسياحي، بما ينسجم مع قيمته التاريخية ومكانته في الذاكرة الوطنية.


القلعة في كتب الجغرافيين والمؤرخين

حظيت قلعة جعبر بمكانة واضحة في المصادر التاريخية العربية. فقد ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان بوصفها من حصون الفرات المهمة، مشيراً إلى موقعها المشرف على النهر ودورها في ضبط العبور. كما أوردها ابن شداد ضمن القلاع المنيعة التي أدت أدواراً دفاعية بارزة في فترات الصراع، فيما أشار المقدسي إلى ارتباطها بالاستقرار السكاني إلى جانب وظيفتها العسكرية.

وتجمع الدراسات التاريخية على أن القلعة شهدت مراحل بناء متعددة، أبرزها في العصرين السلجوقي والأيوبي، وهو ما يفسر التنوع المعماري الظاهر في أبراجها وأسوارها.


الملامح المعمارية وأهم عناصر القلعة

تقوم قلعة جعبر على تل مرتفع يشرف مباشرة على نهر الفرات، وتتخذ شكلاً شبه دائري، يحيط به سور حجري سميك شُيّد من الحجر الكلسي المحلي. ويبلغ محيط القلعة نحو 370 متراً، ما منحها قدرة واسعة على المراقبة والسيطرة البصرية على محيطها.

وتتألف القلعة من سور خارجي مدعّم بعدد من الأبراج الدفاعية نصف الدائرية، كانت تُستخدم للمراقبة والرماية. ويبرز المدخل الرئيسي بتصميم دفاعي معقّد يعتمد على ممرات ضيقة وزوايا مكسورة لإعاقة أي اقتحام محتمل.

وفي داخل القلعة، تنتشر بقايا مبانٍ سكنية وخدمية كانت مخصصة للحامية العسكرية، إضافة إلى صهاريج مياه محفورة في الصخر شكّلت عنصراً أساسياً في صمود القلعة خلال فترات الحصار. كما تضم القلعة مئذنة مربعة تعود إلى العصر الأيوبي، تشير إلى وجود مسجد داخل الأسوار.


قبر سليمان شاه… ارتباط تاريخي وروايات تاريخية متداولة

يرد ذكر قلعة جعبر في روايات تاريخية متأخرة ارتبطت بقبر يُنسب إلى سليمان شاه، حيث استُخدم اسم القلعة مرجعاً جغرافياً للدلالة على موقع الدفن القريب منها. إلا أن باحثين يشيرون إلى غياب دليل تاريخي قاطع حول هوية المدفون، ويرجّحون وجود التباس بين شخصيات تاريخية متشابهة الاسم، ما يجعل هذه الرواية محل نقاش أكاديمي.


جسر قرقوزاك والبعد الجغرافي

على مقربة من القلعة، شكّل جسر قرقوزاك أحد أهم معابر الفرات في شمال سوريا، رابطاً بين ريفي الرقة وحلب. تاريخياً، كانت القلعة تشرف على طرق العبور البرية والمائية، ما جعلها والجسر جزءاً من منظومة جغرافية واحدة تتحكم بالحركة والتواصل بين ضفتي النهر.


سنوات الإهمال والتحويل العسكري

خلال السنوات الماضية، تعرضت القلعة لتحولات حادة في وظيفتها. فقد سيطر عليها تنظيم "داعش" واستخدمها موقعاً عسكرياً مغلقاً، قبل أن تنتقل السيطرة لاحقاً إلى تنظيم "قسد"، حيث استُخدمت كنقطة مراقبة وموقع أمني، مع استمرار إغلاقها أمام الأهالي.

ويرى باحثون في شؤون الآثار أن هذه المرحلة ترافقت مع إهمال واضح، تمثل في غياب أعمال الصيانة والترميم، وتعرض بعض أجزائها لأضرار نتيجة التحصينات الميدانية والعوامل الطبيعية، ولا سيما الرطوبة وارتفاع منسوب المياه.

واليوم، ومع عودة القلعة إلى محيطها الاجتماعي، تستعيد جعبر مكانتها كأحد أبرز معالم الفرات، شاهدة على تاريخ طويل من التحولات، وعلى علاقة متجددة بين المكان وأهله.