غيّب الموت اليوم في دمشق الكاتب الفلسطيني-السوري أكرم شريم عن عمر ناهز 83 عاماً، بعد مسيرة ثقافية ودرامية تركت أثراً نوعياً في تاريخ المسرح والدراما التلفزيونية، رغم قلّة إنتاجه قياساً بعمق تجربته وخصوصيتها.
وُلد أكرم شريم في مدينة قلقيلية الفلسطينية، وجاء إلى دمشق طفلاً في الخامسة من عمره إثر نكبة فلسطين عام 1948. نشأ في بيئة ثقافية منفتحة، وكان لاحقاً أحد مؤسسي المسرح الفلسطيني عام 1972، مساهماً في ترسيخ خطاب مسرحي يحمل الهمّ الإنساني والوطني بعيداً عن الشعارات المباشرة.
من المسرح إلى الدراما… كتابة جريئة ومبكرة
دخل شريم عالم الدراما التلفزيونية في مطلع السبعينيات عبر مسلسل "أولاد بلدي " (إخراج علاء الدين كوكش، إنتاج التلفزيون السوري)، وهو عمل شكّل آنذاك صدمة رقابية بسبب تناوله أزمة جيل يتمرّد على السلطة الأبوية، ما أدى إلى منع إعادة عرضه بعد بثه الأول.
توالت أعماله في الثمانينيات، من بينها "تجارب عائلية" و "حب وإسمنت"، وجميعها بالتعاون مع المخرج الراحل علاء الدين كوكش، حيث قدّم كتابة اجتماعية عميقة، متماسكة، ومنحازة للإنسان العادي وهمومه اليومية.
"أيام شامية"… علامة فارقة
بلغت تجربة أكرم شريم ذروتها مع مسلسل "أيام شامية" (1992)، الذي يُعدّ من أجمل وأكمل أعمال دراما البيئة الشامية، وفيه خطا المخرج بسام الملا أولى خطواته البارزة. تميّز العمل بابتعاده عن العنتريات والمبالغات، واقترابه الصادق من روح المكان والناس ببساطة ومحبة، ما جعله مرجعاً جمالياً وفنياً حتى اليوم.
كاتب نزيه… دفع ثمن مواقفه
عُرف الراحل باحترامه الصارم لقلمه، ورفضه التملق لأي سلطة أو مخرج أو منتج. وكان شديد القلق على نصوصه من التشويه والعبث، وقد قال في إحدى شهاداته:
"لو كنت أنسجم مع الطرف المنتج والمخرج وأشعر بالأمان على نصي، لكنت كتبت أضعاف هذه الأعمال".
هذا الموقف الأخلاقي، وإن كلّفه الغياب الطويل، جعل منه كاتباً نادراً في زمن شاعت فيه "الصناعة" على حساب الرؤية، وخسرت الدراما العربية برحيله صوتاً أصيلاً لم يساوم.
حضور ثقافي وتوثيقي
حضر أكرم شريم في الكتابات النقدية والتوثيقية، وجرى التوقف عند تجربته بتوسّع في كتاب "القدس ذاكرة فنية"، بوصفه أحد الأصوات التي جمعت بين الذاكرة الفلسطينية والتجربة الثقافية السورية.
برحيل أكرم شريم، تطوي الدراما صفحة كاتب كتب أقل مما يستحق، لكنه قال ما يكفي ليبقى.