يواجه سكان مخيم الكويرس، المعروف محليًا باسم مخيم “باركين”، في مدينة أرمناز شمال غرب سوريا، أوضاعًا إنسانية صعبة مع اشتداد فصل الشتاء، في ظل خيام مهترئة لا تقي من البرد ولا من الأمطار، وغياب شبه كامل للمساعدات الإنسانية منذ سنوات.
ومع انخفاض درجات الحرارة وتساقط الأمطار، تحولت الخيام إلى أماكن غير صالحة للسكن، ما دفع عائلات نازحة، معظمها من النساء والأطفال، إلى اللجوء لوسائل خطرة للتدفئة، أبرزها حرق البلاستيك والنايلون، الأمر الذي تسبب بانتشار الأمراض التنفسية وتدهور الأوضاع الصحية والمعيشية داخل المخيم.
"نحرق البلاستيك لنتدفأ"
تصف أم فاروق، وهي نازحة وأم لتسعة أطفال تقيم في مخيم باركين، لـ "السوري اليوم" ، فصل الشتاء الحالي بأنه الأقسى منذ سنوات، قائلة:
"نعيش في خيام، ومعي تسعة أطفال بينهم توأم بنات. لا توجد تدفئة، ولا سلة غذائية، ولا أي نوع من المساعدات. يخرج أولادي في البرد ليجمعوا أكياس النايلون والقناني البلاستيكية من الشوارع والحاويات، لنحرقها ونتدفأ عليها".
وتضيف أن الدخان الناتج عن حرق البلاستيك تسبب لهم بمشاكل صحية خطيرة:
"مرضنا من رائحة النايلون، حلقنا مسكّر، وأطفالنا يمرضون باستمرار ولا يوجد دواء نعالجهم به. المخيم كله في وضع سيئ، الخيام مكشوفة ورطبة، والبرد قاسٍ جدًا".
إدارة المخيم: خيام عمرها خمس سنوات
من جهته، يوضح عبد العزيز أحمد الفارس، مدير مخيم الكويرس، لـ "السوري اليوم" ، أن المشكلة الأساسية تكمن في تهالك الخيام وغياب أي تدخل إنساني فعلي، مشيرًا إلى أن:
"الخيام والشوادر يعود عمرها إلى أربع أو خمس سنوات، ولم يتم استبدالها. مع أول هطول للأمطار تتسرب المياه مباشرة إلى داخل الخيام، ما يؤدي إلى برد شديد، وانتشار الأمراض، وفقدان الكثير من الأغراض".
ويضيف أن العائلات تضطر إلى السهر طوال الليل خلال العواصف:
"نسهر حتى الصباح لنحمي أطفالنا، وننتظر شروق الشمس لنقوم بتجفيف الإسفنج والحرامات، كي نتمكن من إعادة إيواء الأطفال".
وأكد الفارس أن المخيم بحاجة ماسة إلى وسائل تدفئة، وسلال غذائية، إضافة إلى مشروع خبز ودعم نقدي يستهدف العائلات الأشد فقرًا.
عشر سنوات في الخيام
أحد سكان المخيم، فضّل عدم ذكر اسمه، وصف الوضع داخل الخيام بالمأساوي، قائلًا:
"نستيقظ صباحًا ونحن ننام فوق الماء ومن فوقنا الماء. نعيش في هذه الخيام منذ نحو عشر سنوات. فعلنا كل ما نستطيع، والباقي على الله".
وحول واقع التعليم، يؤكد أن الظروف المعيشية القاسية انعكست بشكل مباشر على الأطفال:
"التعليم شبه معدوم. الطفل يحتاج متابعة واهتمام، لكن الفقر والبرد أقوى من كل شيء".
عائلات بلا خيار للعودة
وبحسب إدارة المخيم، كان يقطن مخيم الكويرس نحو 70 عائلة، عادت منها قرابة 30 عائلة، فيما بقيت 40 عائلة دون أي بديل.
ويُعزى ذلك إلى عدم امتلاك هذه العائلات منازل أو أراضي يمكن العودة إليها، إضافة إلى عجزها عن تحمّل تكاليف النقل، فضلًا عن أن الخيام المتآكلة تصبح غير صالحة للاستخدام عند فكّها.
أطفال خارج المدرسة
تُظهر شهادات إدارة المخيم أن الفقر المدقع أدى إلى تسرب واسع للأطفال من التعليم، حيث:
"يضطر الأطفال إلى الخروج للعمل، فمنهم من يجمع النايلون، وآخرون يعملون في معامل بطاريات أو الفحم، وهي أعمال خطرة، فيما لا تداوم في المدرسة سوى قلة قليلة".
أمراض بلا علاج
تقول أم عمر، وهي نازحة في المخيم، إن البرد والأمراض أنهكا أطفالها:
"الأطفال يعانون من الرشح والمرض ولا يتحسنون. نعطيهم أدوية بسيطة، غالبًا سيتامول فقط، وأحيانًا يُمنعون من الذهاب إلى المدرسة بسبب وضعهم الصحي".
بدورها، تقول أم أحمد:
"لا يوجد حطب ولا مازوت. المطر والهواء يدخلان إلى الخيام، والبرد ذبحنا. لا نملك أي وسيلة للتدفئة".
أما أم باسل فتؤكد أن العائلات استنفدت كل ما يمكن حرقه:
"نجمع الكرتون والقناني من الأرض ونحرقها للتدفئة، ولم يبقَ شيء يمكن حرقه"
وتكشف هذه الشهادات واقعًا إنسانيًا بالغ القسوة في مخيم الكويرس، حيث تتقاطع قسوة الشتاء مع الفقر وغياب المساعدات، لتضع عشرات المدنيين، معظمهم من النساء والأطفال، أمام مخاطر صحية ومعيشية متزايدة.
وفي ظل استمرار هذه الأوضاع، يوجّه سكان المخيم وإدارته نداءً عاجلًا إلى المنظمات الإنسانية والجهات المعنية، للتدخل الفوري وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة، قبل أن تتحول هذه المعاناة إلى كارثة إنسانية أوسع نطاقًا.