السويداء السورية: هل الخيار العسكري مطروح في حال فشل المسار السياسي؟

الجمعة, 11 سبتمبر - 2026
شيخ العقل حكمت الهجري
شيخ العقل حكمت الهجري

(عن القدس العربي)

.‎

تتحرك الولايات المتحدة وسوريا والأردن لحلحلة عقدة السويداء، بعدما أكد المبعوث الأمريكي توم براك، أن خريطة الطريق الثلاثية الموقعة قبل نحو عام هي «المسار الوحيد» لتجنب عودة العنف، فيما أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن تنفيذها يمضي بثبات.

جاء ذلك خلال لقاء الشيباني وبراك في أنقرة، الذي أعقبه زيارة وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي إلى دمشق، حيث بحث مع الشيباني تنفيذ الخريطة وتطورات الجنوب السوري.

ويأتي هذا الحراك في ظل تجدد التوتر في السويداء والتي تقع أجزاء منها خارج سيطرة السلطات السورية، بينما يبرز رفض الشيخ حكمت الهجري للتفاهمات كأحد أبرز التحديات أمام التسوية، ما يضع المسار السياسي أمام اختبار حاسم قبل الانتقال إلى خيارات أكثر صعوبة. فما شكل الحل الذي يمكن أن يجمع بين الدولة والقوى المحلية؟ وهل يمكن تجاوز عقدة الهجري وتوسيع قاعدة التمثيل داخل السويداء؟ وفي ظل تحذير براك من أن فشل المسار السياسي قد يعيد المحافظة إلى «الحداد»، وتشديد الشيباني على ضرورة قطع الطريق أمام «دورات العنف»، هل يكون الخيار العسكري هو المسار التالي في حال تعثر الحوار، أم أن ثمة بدائل أخرى يمكن أن تحول دون عودة السويداء إلى دائرة التصعيد؟

الحل السياسي أولا

قال سليمان عبد الباقي، مدير الأمن الداخلي في السويداء، لـ«القدس العربي» إن تنسيقا قائما منذ نحو عام، وتحديدا بعد أحداث تموز/يوليو، يهدف إلى وضع خريطة طريق لوقف التصعيد وحل ملف المحافظة، وصولا إلى دمج أبنائها في مؤسسات الدولة وسير عملها.

وأشار إلى استمرار العمل على تنفيذ خريطة الطريق رغم وجود معوقات، في مقدمتها التدخل الإسرائيلي، لافتا في المقابل إلى وجود توجه عام داخل السويداء نحو إعادة تفعيل مؤسسات الدولة والاندماج فيها، على غرار مسار دمج «قسد».

ضمانات ودور أردني

وفيما يتعلق بالضمانات المطلوبة، قال عبد الباقي إن العاصمة الأردنية عمان شهدت قبل أيام اجتماعا بمشاركة براك لحل ملف السويداء، وذلك ضمن جهود خفض التصعيد، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تؤدي دور الضامن لهذا المسار.

أما الدور الأردني فأكد أنه يرتبط بشكل مباشر بأمن الحدود ومواجهة تهريب المخدرات، فضلا عن أن دعم استقرار جنوب سوريا يصب في مصلحة الأردن والمنطقة.

عقبات أمام التسوية

وجوابا عن سؤال عن الجهة التي تعرقل الوصول إلى التسوية، قال عبد الباقي إن التدخل الإسرائيلي، إلى جانب ما وصفها بـ«العصابات المرتبطة بجهات خارجية»، يمثل أبرز العوامل التي تعقد المشهد وتدفع نحو التصعيد.

عبد الباقي لـ« القدس العربي»: الهجري أصبح «خائنا ورئيس عصابة»

ورأى أن وجود ترتيبات دولية وتنظيم واضح للملف يجري العمل عليه، يمكن أن يفتح الطريق أمام محاسبة «العصابات الخارجة على القانون»، ويعزز إبقاء الحل ضمن مؤسسات الدولة وعدم ترك المحافظة خارج إطارها.

وعن الأطراف المشاركة في الحل، شدد على رفض رهن مستقبل السويداء بموقف الشيخ الهجري، معتبرا أن المحافظة تضم شخصيات وقوى دينية واجتماعية ووطنية قادرة على المشاركة في صياغة التسوية، من بينها الشيخ أبو سامي يوسف جربوع، وسماحة الشيخ أبو وائل حمود الحناوي، وقادة الفصائل الوطنية، ومن بينهم الشيخ أبو دياب مزيد خداج، إضافة إلى وجهاء عائلات مدينة السويداء ووجهاء عائلات المحافظة عموما، فضلا عن الوجهاء الاجتماعيين والمثقفين والنخب ومختلف الكوادر التي تمثل مكونات المجتمع.

ولفت إلى توسيع قاعدة المشاركة على أن تشمل أيضا عائلات الشهداء وأهالي القرى التي تعرضت للتهجير، مشيرا إلى أن أبناء هذه المناطق فقدوا حياتهم خلال الأحداث، وأن لعائلاتهم دورا في أي تسوية مقبلة.

وقال: الحل يحتاج إلى العمل على صلح عشائري بين العشائر وبني معروف، إلى جانب ترتيبات أخرى تتيح الوصول إلى تسوية شاملة تشارك فيها مختلف مكونات المجتمع. أما بشأن الهجري، فقال عبد الباقي إن الأخير أصبح «خائنا ورئيس عصابة حتى داخل السويداء»، معتبرا أن أي حل يجعله الطرف الرئيسي في الملف سيعيد الأزمة إلى نقطة البداية.

وربط عبد الباقي ما وصفها بـ «الفتنة» التي شهدتها المحافظة بالهجري، معتبرا أن عقد اتفاق معه قد يعطل الحل بدلا من إنجازه. وأضاف أن الاتفاقات السابقة التي كان طرفا فيها لم تستمر، إذ كان يجري التوصل إليها ثم يتغير موقفه منها بعد ساعات، وهو ما «ساهم في تعقيد المشهد ونزف الدم في السويداء».

شكل التسوية وترتيبات الحل؟

ودعا عبد الباقي إلى تكثيف الاتصالات الدولية لإعادة بقية مكونات المجتمع إلى دائرة القرار، مؤكدا ضرورة ألا يكون مستقبل المحافظة مرتبطا بموقف حكمت الهجري، لأن ذلك «سيعيد إنتاج تجربة فاشلة».

وحسب المتحدث فإن «الحل يقوم على مسار سياسي تشارك فيه القوى الدينية والاجتماعية والوطنية والعشائرية، بالتوازي مع الضمانات والاتصالات الدولية، بما يسمح بإعادة تفعيل مؤسسات الدولة ودمج المحافظة ضمنها، ومعالجة آثار الصراع والتهجير، وفتح مسار للمصالحة بين مختلف مكونات المنطقة».

قال مصدر درزي مطلع على ملف المباحثات لـ «القدس العربي» إن لقاء الصفدي بنظيره الشيباني في دمشق يأتي في إطار دعم موقف الدولة السورية، وليس دعما لأي جهة أخرى، بهدف دفع الحل السياسي في السويداء ضمن «اتفاق عمان».

واعتبر أن اللقاء يمثل «الفرصة الأخيرة» أمام الحوار والتوصل إلى حل سلمي، مرجحا عودة الخيار المسلح إذا فشل المسار السياسي، خصوصا في ظل رفض الشيخ حكمت الهجري اتفاق عمان. وأوضح أن الهجري يسيطر على جزء من القرار والموقف داخل الشارع الدرزي، في حين يؤيد مشايخ العقل في المحافظة، باستثناء موقف الهجري، الاتفاق ويدعمون الحل السياسي مع دمشق.

الحوار برعاية دمشق

وشدد المصدر على أن الحوار سيكون «مع دمشق فقط»، نافيا أن يكون الأردن أو الولايات المتحدة طرفا وسيطا بين أبناء السويداء والدولة السورية. وقال إن دورهما يقتصر على دفع الأطراف نحو الحوار برعاية سورية، وضمان أي تفاهم يتم التوصل إليه.

وأكد أن «شيوخ العقل والزعامات المحلية الدرزية أبدوا قبولا بدخول الأردن والولايات المتحدة كضامنين، لأن ذلك يوفر أساسا لاتفاق جديد يعيد بناء الثقة المعدومة بعد أحداث تموز».

ماذا بعد فشل الحوار؟

وفي حال تعذر تطبيق خريطة الطريق المنبثقة عن اتفاق عمان، رجح المصدر الانتقال إلى خيار عسكري، مستندا إلى تحذير براك من أن فشل الحل السياسي سيقود إلى «المزيد من الحداد».

وحسب المصدر، قد «يتمثل الخيار العسكري بدخول قوات وزارة الدفاع السورية إلى السويداء برفقة الضامنين الأمريكي والأردني، وبمشاركة مراقبين أمميين والهلال الأحمر والصليب الأحمر الدولي، إذ أن مهمتهم الأساسية تهدف إلى ضمان حماية المدنيين ومنع وقوع الانتهاكات». لكنه توقع في الوقت نفسه وقوع مواجهات مع مقاتلي الميليشيات التابعة للهجري، موضحا أن «دور الضامنين والمراقبين لن يكون منع الاشتباكات، وإنما ضمان منع وقوع الانتهاكات بحق المدنيين».

ورأى المصدر أن رفض الهجري لخريطة الطريق يمثل العقبة الأساسية أمام الحل السياسي، مشيرا إلى أنه رفض اتفاق عمان «جملة وتفصيلا» بحجة أن السويداء لم تكن طرفا فيه ولم تشارك في صياغته.

وفي المقابل، اعتبر أن تصريحات براك الأخيرة «رفعت الغطاء السياسي عن الهجري والميليشيات التابعة له، بعدما وصف المبعوث الأمريكي هذه التشكيلات بأنها ميليشيات مسلحة، بـ «نوايا مسمومة».

ورجح المصدر أن يؤدي استمرار رفض الحوار إلى تدخل عسكري وتصاعد الضغوط السياسية والشعبية على الهجري، وصولا إلى عزله سياسيا، وربما فرض ترتيبات تحد من حركته ونفوذه، بما في ذلك احتمال وضعه تحت إقامة جبرية داخل مضافته.

إسرائيل وخيارات المرحلة

وفي شأن إسرائيل، قال المصدر إنها، من وجهة نظره، لا تحمي الدروز وإنما «تحمي رئيس عصابة يسيطر على الشعب الدرزي»، متهما الكيان الإسرائيلي بحمايته «رغم سيطرته على جزء من الشارع الدرزي ومصادرته رأي أبناء المحافظة، فضلا عن نهب أرزاقهم ومساعداتهم وكل ما يصل إليهم، وإغلاق الطريق أمام الحلول السياسية».

وأشار إلى أن الأطراف المعنية طرحت أكثر من خيار، مع إعطاء المسار السياسي فرصة أخيرة قبل الانتقال إلى خيارات أخرى. وفي حال تنفيذ ترتيبات ميدانية، فإن الضمانات الأمريكية والأردنية والمراقبين الدوليين «ستخصص أساسا لحماية المدنيين، فيما قد يجعل وجود العلم الأمريكي والضامنين الدوليين إسرائيل أكثر تقييدا في استهداف المناطق أو القوات الموجودة فيها».

وختم المصدر بأن السويداء تقف أمام فرصة دبلوماسية أخيرة ضمن اتفاق عمان «فنجاح الحوار مع دمشق قد يفتح الطريق أمام اتفاق يعيد بناء الثقة، بينما قد يدفع فشله إلى خيارات أمنية وعسكرية أكثر صرامة، بالتوازي مع احتمال عزل الهجري سياسيا وتقليص نفوذه داخل المحافظة».