توفي الإعلامي والمذيع السوري القدير محمد قطان عن عمر يناهز الثمانين عاماً، بعد مسيرة حافلة أغنى خلالها الشاشة والأنقاض الصوتية السورية، ليرحل بذلك واحد من أبناء جيل الرواد والمؤسسين الذين ساهموا في إرساخ قواعد العمل الإعلامي في الإذاعة والتلفزيون العربي السوري.
مسيرة مهنية في محطات التأسيس
انتمى الراحل محمد قطان إلى العصر الذهبي للإعلام السوري، وشغل خلال مسيرته الطويلة مناصب قيادية بارزة، كان من أهمها توليه إدارة التلفزيون العربي السوري. ولعب قطان دوراً محورياً في مرحلة التأسيس والتطوير للعمل البرامجي والإخباري، حيث عُرف بتمكنه اللغوي وأدائه الرصين وحرصه على الاستثمار في أصول اللسان العربي والشخصية الإذاعية الملتزمة.
شهادة على التحولات:
في رؤيته لاستئناف وصناعة الإعلام، كان الراحل يستحضر دائماً البدايات الشغوفة للتلفزيون السوري؛ إذ وصف فرحة السوريين عند انطلاقه وشغفهم بوجوده في بيوتهم حتى كانوا يقولون: "في بيتنا سينما".
ولاحظ قطان الفارق الكبير بين ذاك الزمان والحاضر؛ إذ رأى أن ظهور الهاتف المحمول والوسائط الحديثة غيرت شكل المتابعة وثرت سلباً على مكانة الشاشة الصغيرة وجماهيريتها. كما أشار إلى التحول الجذري في طبيعة الإنتاج، حيث كان الإعداد للبرنامج الواحد يستغرق أسابيع من البحث والتدقيق، مقترناً بأداء لغوي وصوتي فارق للمذيعين، وهو ما اعتبره ركيزة أساسية لا غنى عنها في المهنة.
ازدانت مسيرة قطان الإعلامية بحوارات ولقاءات توثيقية مع قمم الفن العربي:
لقاء الاستثنائي مع أم كلثوم: روى قطان تفاصيل حواره مع سيدة الغناء العربي في منزلها بالقاهرة، حين وجّه إليها سؤالاً عميقاً: "أنت تقدمين عالم الحب ونداء للعواطف، فهل تعيشينها؟". ولفت إلى أن كوكب الشرق صمتت لنحو ثلاث دقائق وهي تنظر إليه مطرقة، دون أن تنبس ببنت شفة، ليقرأ في صمتها إجابة أبلغ من الكلمات؛ ومفادها أنه لا يمكن لفنانة أن تلامس تلك الأعماق الغنائية دون أن تكون قد عاشت تلك المشاعر بالفعل.
السبق الإعلامي مع جارة القمر فيروز: كان الراحل أول إعلامي يستضيف السيدة فيروز في دمشق خلال فترة توليه إدارة التلفزيون، بالتزامن مع حفلاتها التاريخية على مسرح معرض دمشق الدولي. وحرص على متابعة كواليس تلك الزيارة واللقاء بها وبطاقمها الموسيقي صباح كل يوم خلال إقامتها في "فندق الشرق" بساحة الحجاز.
برحيل محمد قطان، تطوى صفحة من صفحات الرعيل الأول للإعلام السوري، الذي أرسى بمعاييره العالية وجديته مهنية أثرت في ذاكرة الأجيال المتعاقبة.