شكلت محاكمة عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق مساراً قضائياً متدرجاً، انتقل من الإجراءات الأولية والاستجواب إلى سماع الشهود ومناقشة الأدلة والمرافعات وصولاً إلى النطق بالحكم.
ويعرض هذا التقرير أبرز تفاصيل جلسات محاكمة عاطف نجيب، وأنماط المسؤولية الجنائية، ورأي الخبراء القانونيين، وانعكاسات الحكم على مسار العدالة الانتقالية في سوريا.
القبض على عاطف نجيب وبدء مسار المحاكمة
بدأ مسار العدالة القضائية في 31 كانون الثاني 2025، حين أعلن مدير مديرية الأمن العام في محافظة اللاذقية المقدم مصطفى كنيفاتي، في عملية نوعية بالتعاون مع القوى العسكرية، إلقاء القبض على العميد عاطف نجيب، الذي شغل سابقاً منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا، وهو من أبرز المتهمين بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري.
وكان نجيب قد أُدرج على قائمة العقوبات الأمريكية في 29 نيسان 2011، وعلى قائمة العقوبات الأوروبية في أيار 2011، لتورطه في انتهاكات بحق المدنيين.
وبعد اعتقاله، أحيل نجيب إلى الجهات القضائية المعنية لتبدأ إجراءات محاكمته عن الجرائم المنسوبة إليه.
من درعا إلى قاعة القضاء
ارتبطت قضية عاطف نجيب وهو ابن خالة رأس النظام البائد الفار بشار الأسد، بأحداث محافظة درعا في بدايات الثورة السورية عام 2011، حين كان يشغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في المحافظة، وتضمن قرار الاتهام إسناد مسؤوليات مباشرة ومشتركة إليه عن انتهاكات قامت بها الأجهزة الأمنية خلال تلك المرحلة، بينها اعتقال أطفال وطلاب مدارس، إضافة إلى المشاركة في قمع الاحتجاجات السلمية، والقتل والتعذيب والاعتقال التعسفي.
وبحسب ما عرضته النيابة العامة أمام المحكمة، شملت الدعوى أحداثاً في مدينة درعا ومحيط المسجد العمري، وما رافقها من إطلاق للرصاص الحي ما أدى إلى استشهاد وإصابة العشرات من المدنيين، إضافة إلى وقائع تتعلق بالاعتقال والتعذيب داخل مراكز الاحتجاز.
9 جلسات رسمت مسار المحاكمة
بدأت محاكمة عاطف نجيب في 26 نيسان2026، أمام محكمة الجنايات الرابعة في القصر العدلي بدمشق، بحضور النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة، وذوي عدد من الضحايا من محافظة درعا، ومحامين وممثلين عن وسائل إعلام ومنظمات حقوقية، لتتوالى بعدها تسع جلسات استكملت خلالها المحكمة مراحل المحاكمة والإثبات والمرافعات وصولاً إلى الحكم.
الجلسة الأولى – 26 نيسان: تضمنت الجلسة التثبت من هوية الموقوف عاطف نجيب، والمناداة على المتهمين الفارين من وجه العدالة، ومن بينهم بشار الأسد وماهر الأسد وفهد جاسم الفريج وآخرون، إضافة إلى المناداة على المدعين الشخصيين من ذوي الضحايا، كما أكدت المحكمة إمكانية اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الشهود عند الاقتضاء.
الجلسة الثانية – 10 أيار: استجوبت المحكمة عاطف نجيب، ووجهت إليه التهم المتعلقة بمسؤوليته القيادية المباشرة والمشتركة عن أفعال وصفت بأنها منهجية استهدفت المدنيين في درعا، وشملت القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي وقمع الاحتجاجات، كما ثبتت غياب المتهمين الفارين والسير بحقهم غيابياً، وتجريدهم من الحقوق المدنية ووضع أموالهم المنقولة وغير المنقولة تحت إدارة الحكومة، وفقاً للمادة 322 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
الجلسة الثالثة – 19 أيار: عقدت المحكمة جلستها الثالثة وسط إجراءات قضائية مغلقة، في ضوء ما تضمنته من وثائق وأسماء شهود محميين ومعلومات سرية، كما جرى عرض صور ومقاطع مصورة للضحايا ضمن إجراءات المحاكمة.
الجلسة الرابعة – 23 حزيران: عقدت المحكمة هذه الجلسة بصورة مغلقة للاستماع إلى شهادات عدد من شهود الحق العام بعد أدائهم اليمين القانونية، والتي جاءت داعمة للأدلة المقدمة في ملف الدعوة فيما أنكر نجيب التهم المسندة إليه.
وفي تصريح لاحق باليوم نفسه، أوضح مدير إدارة المحاسبة والمساءلة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية المحامي رديف مصطفى، أن المحكمة استمعت إلى ثلاثة عشر شاهداً، من بينهم الشاهد السري (01)، تضمنت إفاداتهم معطيات وأدلة قانونية تتعلق بالاعتقال التعسفي خارج إطار القانون، والقتل خارج إطار القانون، والتعذيب الممنهج بأشكاله المختلفة، وانتهاكات طالت الأطفال الذين شكلوا نسبة كبيرة من المعتقلين.
وكشف مصطفى أن إحدى الإفادات تضمنت شهادات بالتعرض لانتهاكات جسدية وجنسية أثناء الاحتجاز في أحد الأفرع الأمنية بدرعا، وأشار إلى رفض نجيب لما ورد في شهادات الشهود.
الجلسة الخامسة – 14 تموز: واصلت المحكمة جلستها الخامسة بصورة مغلقة أيضاً لاستكمال الاستماع إلى شهود الحق العام، الذين قدموا شهاداتهم في مواجهة المتهم ضمن إطار إجراءات الإثبات القضائي، بما يعزز مسار المحكمة في تكوين قناعتها القضائية من خلال ربط الشهادات بالأدلة والقرائن الواردة في ملف الدعوى، مع كفالة حق الدفاع في مناقشتها.
الجلسة السادسة – 21 تموز: عقدت المحكمة هذه الجلسة، بحضور ذوي ضحايا من درعا، وأعضاء من الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وممثلي منظمات قانونية وإنسانية دولية، وخُصصت أيضاً للاستماع إلى أقوال شهود الحق العام.
الجلسة السابعة – 28 تموز: عقدت الجلسة السابعة بصورة مغلقة، خُصصت للاستماع إلى أقوال شاهد بطلب من جهة الدفاع أدلى بإفادته أمام هيئة المحكمة، في إطار استكمال إجراءات الإثبات القضائي.
الجلسة الثامنة – 4 آب: مرافعات ختامية وإحالة الملف للتدقيق والحكم
طلب ممثل النيابة العامة إدانة نجيب وباقي المتهمين الفارين المذكورين في ملف الدعوى -وفي مقدمتهم بشار الأسد وماهر الأسد– بجرائم القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي وإهدار المال العام، وطلب إنزال أقصى عقوبة ينص عليها القانون بحقهم، وهي الإعدام، مؤكداً تماسك الأدلة وترابطها.
كما قدم محامي الدولة مذكرة من صفحتين إلى هيئة المحكمة، في حين تقدم محامي الدفاع بمذكرة خطية من 12 صفحة طالب فيها بتطبيق القانون بدقة، واستمعت المحكمة إلى الأقوال الأخيرة لنجيب، الذي طلب العدل والإنصاف، وضُمت أقواله إلى إفادته السابقة.
الجلسة التاسعة – 11 آب: النطق بالحكم
عقدت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق الثلاثاء 11 آب جلستها التاسعة والأخيرة للنطق بالحكم في الدعوى المقامة ضد عاطف نجيب والمتهمين الفارين معه، برئاسة القاضي فخر الدين العريان، وبحضور النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة، ورئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف وعدد من أعضائها، وممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية دولية، وذوي الضحايا.
وبذلك وصلت المحاكمة إلى مرحلة الفصل القضائي بعد استكمال إجراءات الإثبات والمرافعات ورفع أوراق الدعوى إلى التدقيق والحكم، لتصدر المحكمة حكمها بتجريم المتهم عاطف نجيب والحكم عليه بالإعدام، إضافة إلى تجريم بشار حافظ الأسد وشقيقه ماهر وآخرين من المتهمين الفارين، بجناية القتل العمد والقصد لأكثر من شخص وللأطفال، وبجناية التعذيب والاعتقال التعسفي، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، والحكم عليهم بالإعدام.
واستندت المحكمة في حكمها إلى شهادات شهود الحق العام وأقوال المدعين الشخصيين والوثائق الرسمية والتقارير الطبية ومواد الصوت والصورة التي عرضت في الجلسات والتقارير الدولية الموثقة.
ونوهت المحكمة إلى أن المتهم عاطف نجيب أنكر جميع الجرائم المسندة إليه إنكاراً شاملاً، وهو ما يتعارض مع ما هو ثابت بوقائع الدعوى وأدلتها، لافتة إلى أن المتهم وأثناء مواجهته لضحاياه في المحكمة لم يبدِ ذرة ندم واحدة ولا اعتذاراً عمّا قام به، ما دفعها إلى عدم منحه أي سبب من أسباب التخفيف التقديرية.
ما بعد الحكم.. مسار قضائي مستمر
لا تقف دلالة قضية عاطف نجيب عند حدود المتهم الذي مثل حضورياً أمام المحكمة، إذ شملت الدعوى متهمين فارين من وجه العدالة، بينهم بشار الأسد وماهر الأسد وآخرون، فيما أكد النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة أن مسار محاكمات رموز النظام البائد مستمر، وأن الجهات المختصة ستتواصل مع منظمة الشرطة الجنائية الدولية “الإنتربول” لتنفيذ مذكرات الاعتقال وإجراءات التسليم وفق الأصول القانونية.
وفي السياق ذاته، أكدت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أن العدالة الانتقالية تمثل مساراً أوسع من المحاسبة القضائية، وتشمل كشف الحقيقة والمساءلة والمحاسبة وجبر الضرر وحفظ الذاكرة وضمان عدم تكرار الانتهاكات، بما يسهم في ترسيخ سيادة القانون وبناء مؤسسات قادرة على حماية المجتمع.
كما أكد خبراء ومحامون سوريون مختصون بالقانون الجنائي الدولي والعدالة الانتقالية أن استناد المحكمة إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية، إلى جانب ضمان حق الدفاع وعلنية المحاكمة وحماية بعض الشهود، يعكس اتجاهاً نحو مراعاة المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، مشددين على أن نجاح المسار القضائي يرتبط بتكافؤ حقوق الأطراف وتسبيب القرارات وحماية حقوق الضحايا والمتهمين على حد سواء.
وأوضح المحامي عمار عز الدين لـ”سانا”، أن وقائع المحاكمة والأحكام الصادرة جاءت بعد مناقشة الأدلة وسماع الشهود وتمحيص الوقائع، واستندت إلى ثلاثة أنماط من المسؤولية الجنائية، هي المسؤولية الفردية، والمسؤولية المشتركة أو المشروع الإجرامي المشترك، ومسؤولية القادة.
وبيّن أن المحكمة اعتمدت في توصيف الجرائم على مبادئ القانون الجنائي الدولي ونظام روما الأساسي، ولا سيما في توصيف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مع اعتماد القانون الوطني أساساً في الولاية القضائية، والاستناد إلى القانون الدولي بوصفه مكملاً في توصيف الجرائم، بما يعزز حقوق الضحايا ويدعم مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
اهتمام إعلامي يتابع مسار المحاسبة
وخارج قاعة المحكمة، حظيت محاكمة عاطف نجيب منذ انطلاقها بمتابعة إعلامية عربية ودولية، في ضوء ارتباط القضية بأحداث درعا عام 2011، وكونها من القضايا الأولى التي تختبر عملياً انتقال ملفات انتهاكات رموز النظام البائد إلى مسار المحاسبة القضائية لترسخ سيادة القانون وإنصاف الضحايا والحد من الإفلات من العقاب.