محاكمة عاطف نجيب ورموز النظام البائد.. 9 جلسات تكشف انتهاكات ‏جسيمة ‏وأدلة حسمت حكم الإعدام

الخميس, 13 أغسطس - 2026
عاطف نجيب في قفص الاتهام
عاطف نجيب في قفص الاتهام


 شكلت محاكمة عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق مساراً ‏قضائياً ‏متدرجاً، انتقل من الإجراءات الأولية والاستجواب إلى سماع الشهود ‏ومناقشة الأدلة ‏والمرافعات وصولاً إلى النطق بالحكم.‏
ويعرض هذا التقرير أبرز تفاصيل جلسات محاكمة عاطف نجيب، وأنماط ‌‏المسؤولية الجنائية، ورأي الخبراء ‏القانونيين، وانعكاسات الحكم على مسار ‏العدالة ‏الانتقالية في سوريا.‏
القبض على عاطف نجيب وبدء مسار المحاكمة
بدأ مسار العدالة القضائية في 31 كانون الثاني 2025، حين أعلن مدير ‌‏مديرية الأمن العام في محافظة اللاذقية المقدم مصطفى كنيفاتي، في عملية ‏نوعية ‏بالتعاون مع القوى العسكرية، إلقاء القبض على العميد عاطف نجيب، ‏الذي شغل ‏سابقاً منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا، وهو من أبرز ‏المتهمين ‏بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري.‏
وكان نجيب قد أُدرج على قائمة العقوبات الأمريكية في 29 نيسان 2011، ‏وعلى ‏قائمة العقوبات الأوروبية في أيار 2011، لتورطه في انتهاكات بحق ‏المدنيين.‏
وبعد اعتقاله، أحيل نجيب إلى الجهات القضائية المعنية لتبدأ إجراءات ‏محاكمته عن ‏الجرائم المنسوبة إليه.‏
من درعا إلى قاعة القضاء
ارتبطت قضية عاطف نجيب وهو ابن خالة رأس النظام البائد الفار بشار ‏الأسد، ‏بأحداث محافظة درعا في بدايات الثورة السورية عام 2011، حين ‏كان يشغل ‏منصب رئيس فرع الأمن السياسي في المحافظة، وتضمن قرار ‏الاتهام إسناد ‏مسؤوليات مباشرة ومشتركة إليه عن انتهاكات قامت بها ‏الأجهزة الأمنية خلال تلك ‏المرحلة، بينها اعتقال أطفال وطلاب مدارس، ‏إضافة إلى المشاركة في قمع ‏الاحتجاجات السلمية، والقتل والتعذيب ‏والاعتقال التعسفي. ‏
وبحسب ما عرضته النيابة العامة أمام المحكمة، شملت الدعوى أحداثاً في ‏مدينة ‏درعا ومحيط المسجد العمري، وما رافقها من إطلاق للرصاص الحي ‏ما أدى إلى ‏استشهاد وإصابة العشرات من المدنيين، إضافة إلى وقائع تتعلق ‏بالاعتقال والتعذيب ‏داخل مراكز الاحتجاز.‏
9 جلسات رسمت مسار المحاكمة
بدأت محاكمة عاطف نجيب في 26 نيسان2026، أمام محكمة الجنايات ‏الرابعة في ‏القصر العدلي بدمشق، بحضور النائب العام للجمهورية القاضي ‏المستشار حسان ‏التربة، وذوي عدد من الضحايا من محافظة درعا، ‏ومحامين وممثلين عن وسائل ‏إعلام ومنظمات حقوقية، لتتوالى بعدها تسع ‏جلسات استكملت خلالها المحكمة ‏مراحل المحاكمة والإثبات والمرافعات ‏وصولاً إلى الحكم.‏
الجلسة الأولى – 26 نيسان: تضمنت الجلسة التثبت من هوية الموقوف ‏عاطف ‏نجيب، والمناداة على المتهمين الفارين من وجه العدالة، ومن بينهم ‏بشار الأسد ‏وماهر الأسد وفهد جاسم الفريج وآخرون، إضافة إلى المناداة ‏على المدعين ‏الشخصيين من ذوي الضحايا، كما أكدت المحكمة إمكانية اتخاذ ‏التدابير اللازمة ‏لحماية الشهود عند الاقتضاء.‏
الجلسة الثانية – 10 أيار: استجوبت المحكمة عاطف نجيب، ووجهت إليه ‏التهم ‏المتعلقة بمسؤوليته القيادية المباشرة والمشتركة عن أفعال وصفت بأنها ‏منهجية ‏استهدفت المدنيين في درعا، وشملت القتل والتعذيب والاعتقال ‏التعسفي وقمع ‏الاحتجاجات، كما ثبتت غياب المتهمين الفارين والسير بحقهم ‏غيابياً، وتجريدهم ‏من الحقوق المدنية ووضع أموالهم المنقولة وغير المنقولة ‏تحت إدارة الحكومة، وفقاً ‏للمادة 322 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.‏
الجلسة الثالثة – 19 أيار: عقدت المحكمة جلستها الثالثة وسط إجراءات ‏قضائية ‏مغلقة، في ضوء ما تضمنته من وثائق وأسماء شهود محميين ‏ومعلومات سرية، كما ‏جرى عرض صور ومقاطع مصورة للضحايا ضمن ‏إجراءات المحاكمة.‏
الجلسة الرابعة – 23 حزيران: عقدت المحكمة هذه الجلسة بصورة مغلقة ‏للاستماع ‏إلى شهادات عدد من شهود الحق العام بعد أدائهم اليمين القانونية، ‏والتي جاءت ‏داعمة للأدلة المقدمة في ملف الدعوة فيما أنكر نجيب التهم ‏المسندة إليه.‏
وفي تصريح لاحق باليوم نفسه، أوضح مدير إدارة المحاسبة والمساءلة ‏في ‏الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية المحامي رديف مصطفى، أن المحكمة ‏استمعت إلى ‏ثلاثة عشر شاهداً، من بينهم الشاهد السري (01)، تضمنت ‏إفاداتهم معطيات وأدلة ‏قانونية تتعلق بالاعتقال التعسفي خارج إطار القانون، ‏والقتل خارج إطار القانون، ‏والتعذيب الممنهج بأشكاله المختلفة، وانتهاكات ‏طالت الأطفال الذين شكلوا نسبة ‏كبيرة من المعتقلين. ‏
وكشف مصطفى أن إحدى الإفادات تضمنت شهادات بالتعرض لانتهاكات ‏جسدية ‏وجنسية أثناء الاحتجاز في أحد الأفرع الأمنية بدرعا، وأشار إلى ‏رفض نجيب لما ‏ورد في شهادات الشهود.‏
الجلسة الخامسة – 14 تموز: واصلت المحكمة جلستها الخامسة بصورة ‏مغلقة ‏أيضاً لاستكمال الاستماع إلى شهود الحق العام، الذين قدموا شهاداتهم ‏في مواجهة ‏المتهم ضمن إطار إجراءات الإثبات القضائي، بما يعزز مسار ‏المحكمة في تكوين ‏قناعتها القضائية من خلال ربط الشهادات بالأدلة ‏والقرائن الواردة في ملف ‏الدعوى، مع كفالة حق الدفاع في مناقشتها.‏
الجلسة السادسة – 21 تموز: عقدت المحكمة هذه الجلسة، بحضور ذوي ‏ضحايا ‏من درعا، وأعضاء من الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وممثلي ‏منظمات قانونية ‏وإنسانية دولية، وخُصصت أيضاً للاستماع إلى أقوال شهود ‏الحق العام.‏
الجلسة السابعة – 28 تموز: عقدت الجلسة السابعة بصورة مغلقة، خُصصت ‌‏للاستماع إلى أقوال شاهد بطلب من جهة الدفاع أدلى بإفادته أمام هيئة ‏المحكمة، في ‏إطار استكمال إجراءات الإثبات القضائي. ‏
الجلسة الثامنة – 4 آب: مرافعات ختامية وإحالة الملف للتدقيق والحكم
طلب ممثل النيابة العامة إدانة نجيب وباقي المتهمين الفارين المذكورين في ‏ملف ‏الدعوى -وفي مقدمتهم بشار الأسد وماهر الأسد– بجرائم القتل ‏والتعذيب والاعتقال ‏التعسفي وإهدار المال العام، وطلب إنزال أقصى عقوبة ‏ينص عليها القانون بحقهم، ‏وهي الإعدام، مؤكداً تماسك الأدلة وترابطها.‏
كما قدم محامي الدولة مذكرة من صفحتين إلى هيئة المحكمة، في حين تقدم ‏محامي ‏الدفاع بمذكرة خطية من 12 صفحة طالب فيها بتطبيق القانون بدقة، ‏واستمعت ‏المحكمة إلى الأقوال الأخيرة لنجيب، الذي طلب العدل والإنصاف، ‏وضُمت أقواله ‏إلى إفادته السابقة.‏
الجلسة التاسعة – 11 آب: النطق بالحكم
عقدت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق الثلاثاء 11 آب جلستها التاسعة ‏والأخيرة ‏للنطق بالحكم في الدعوى المقامة ضد عاطف نجيب والمتهمين ‏الفارين معه، ‏برئاسة القاضي فخر الدين العريان، وبحضور النائب العام ‏للجمهورية القاضي ‏المستشار حسان التربة، ورئيس الهيئة الوطنية للعدالة ‏الانتقالية عبد الباسط عبد ‏اللطيف وعدد من أعضائها، وممثلين عن منظمات ‏قانونية وإنسانية دولية، وذوي ‏الضحايا.‏
وبذلك وصلت المحاكمة إلى مرحلة الفصل القضائي بعد استكمال إجراءات ‏الإثبات ‏والمرافعات ورفع أوراق الدعوى إلى التدقيق والحكم، لتصدر ‏المحكمة حكمها ‏بتجريم المتهم عاطف نجيب والحكم عليه بالإعدام، إضافة ‏إلى تجريم بشار حافظ ‏الأسد وشقيقه ماهر وآخرين من المتهمين الفارين، ‏بجناية القتل العمد والقصد لأكثر ‏من شخص وللأطفال، وبجناية التعذيب ‏والاعتقال التعسفي، وارتكاب جرائم ضد ‏الإنسانية، والحكم عليهم بالإعدام.‏
واستندت المحكمة في حكمها إلى شهادات شهود الحق العام وأقوال المدعين ‌‏الشخصيين والوثائق الرسمية والتقارير الطبية ومواد الصوت والصورة التي ‌‏عرضت في الجلسات والتقارير الدولية الموثقة.‏
ونوهت المحكمة إلى أن المتهم عاطف نجيب أنكر جميع الجرائم المسندة إليه ‏إنكاراً ‏شاملاً، وهو ما يتعارض مع ما هو ثابت بوقائع الدعوى وأدلتها، لافتة ‏إلى أن ‏المتهم وأثناء مواجهته لضحاياه في المحكمة لم يبدِ ذرة ندم واحدة ولا اعتذاراً عمّا ‏قام به، ‏ما دفعها إلى عدم منحه أي سبب من أسباب التخفيف التقديرية.‏
ما بعد الحكم.. مسار قضائي مستمر
لا تقف دلالة قضية عاطف نجيب عند حدود المتهم الذي مثل حضورياً أمام ‌‏المحكمة، إذ شملت الدعوى متهمين فارين من وجه العدالة، بينهم بشار الأسد ‌‏وماهر الأسد وآخرون، فيما أكد النائب العام للجمهورية القاضي المستشار ‏حسان ‏التربة أن مسار محاكمات رموز النظام البائد مستمر، وأن الجهات ‏المختصة ‏ستتواصل مع منظمة الشرطة الجنائية الدولية “الإنتربول” لتنفيذ ‏مذكرات الاعتقال ‏وإجراءات التسليم وفق الأصول القانونية.‏
وفي السياق ذاته، أكدت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أن العدالة الانتقالية ‏تمثل ‏مساراً أوسع من المحاسبة القضائية، وتشمل كشف الحقيقة والمساءلة ‏والمحاسبة ‏وجبر الضرر وحفظ الذاكرة وضمان عدم تكرار الانتهاكات، بما ‏يسهم في ترسيخ ‏سيادة القانون وبناء مؤسسات قادرة على حماية المجتمع.‏
كما أكد خبراء ومحامون سوريون مختصون بالقانون الجنائي الدولي والعدالة ‌‏الانتقالية أن استناد المحكمة إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية، إلى ‏جانب ‏ضمان حق الدفاع وعلنية المحاكمة وحماية بعض الشهود، يعكس ‏اتجاهاً نحو ‏مراعاة المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، مشددين على أن نجاح ‏المسار القضائي ‏يرتبط بتكافؤ حقوق الأطراف وتسبيب القرارات وحماية ‏حقوق الضحايا والمتهمين ‏على حد سواء.‏
وأوضح المحامي عمار عز الدين لـ”سانا”، أن وقائع المحاكمة والأحكام ‏الصادرة ‏جاءت بعد مناقشة الأدلة وسماع الشهود وتمحيص الوقائع، ‏واستندت إلى ثلاثة ‏أنماط من المسؤولية الجنائية، هي المسؤولية الفردية، ‏والمسؤولية المشتركة أو ‏المشروع الإجرامي المشترك، ومسؤولية القادة.
وبيّن أن المحكمة اعتمدت في توصيف الجرائم على مبادئ القانون الجنائي ‏الدولي ‏ونظام روما الأساسي، ولا سيما في توصيف جرائم الحرب والجرائم ‏ضد ‏الإنسانية، مع اعتماد القانون الوطني أساساً في الولاية القضائية، ‏والاستناد إلى ‏القانون الدولي بوصفه مكملاً في توصيف الجرائم، بما يعزز ‏حقوق الضحايا ويدعم ‏مبدأ عدم الإفلات من العقاب.‏
اهتمام إعلامي يتابع مسار المحاسبة
وخارج قاعة المحكمة، حظيت محاكمة عاطف نجيب منذ انطلاقها بمتابعة ‏إعلامية ‏عربية ودولية، في ضوء ارتباط القضية بأحداث درعا عام 2011، ‏وكونها من ‏القضايا الأولى التي تختبر عملياً انتقال ملفات انتهاكات رموز ‏النظام البائد إلى ‏مسار المحاسبة القضائية لترسخ سيادة القانون وإنصاف ‏الضحايا والحد من الإفلات ‏من العقاب.