أصداء الحرب الأهلية تتردد في لبنان مع استمرار الانقسامات الداخلية

الخميس, 23 أبريل - 2026
علم ايران وسط شارع في بيروت
علم ايران وسط شارع في بيروت

اجتياح إسرائيلي لجنوب لبنان وقصف في بيروت ونزوح جماعي وتصاعد التوترات الطائفية.. هذا هو عام 2026، لكن بالنسبة لمن عاشوا الحرب الأهلية اللبنانية قبل خمسة عقود، يبدو المشهد وكأنه سبعينيات القرن الماضي من جديد.

قال لبنانيون قاتلوا في الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين 1975 و1990 أو وثقوها كصحفيين لرويترز إنهم يشعرون بأصداء التوتر والعنف الطائفي الذي شهدوه آنذاك، ويتخوفون من تجدد القتال بين اللبنانيين.

وأدت الحرب الأخيرة التي اندلعت في الثاني من مارس آذار بين إسرائيل وجماعة حزب الله اللبنانية إلى تعميق العداء بين الجماعة المدعومة من إيران ومعارضيها في الداخل، مما دفع الدولة والمجتمع اللبناني الهش إلى حافة الانهيار.

ويهدف وقف إطلاق النار المؤقت إلى إتاحة المجال لمفاوضات سلام بين لبنان وإسرائيل، إذ تستضيف الولايات المتحدة جولة ثانية من المحادثات غدا الخميس. إلا أن هذا الأمر يزيد أيضا حدة الخلاف بين الحكومة وجماعة حزب الله، التي تعارض بشدة هذه المفاوضات.

ومن المقرر أن تستضيف الولايات المتحدة غدا الخميس محادثات على مستوى السفراء بين إسرائيل ولبنان، غير أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الهدف هو تمديد وقف إطلاق نار هش مدته 10 أيام بين إسرائيل وحزب الله، أم التمهيد لمفاوضات أوسع.

* مقاتل سابق: “ما تكرروا تجربتنا”.

اندلعت الحرب الأهلية في لبنان في أبريل نيسان 1975 عندما تحولت التوترات الطائفية والاقتصادية إلى اشتباكات بين مسلحين مسيحيين ومقاتلين فلسطينيين، قبل أن تتسع رقعة الصراع لاحقا لتشمل طوائف لبنانية أخرى وتجذب أطرافا إقليمية ودولية.

في ذلك الوقت، نزح نحو مليون شخص من ديارهم، وهو رقم تجاوزته بالفعل وتيرة النزوح في الصراع الحالي إذ بلغ عدد النازحين 1.2 مليون. وتحولت بيروت إلى ساحة قتال واجتاحت إسرائيل لبنان عام 1978، واحتلت شريطا من جنوب لبنان فيما يشبه إلى حد كبير المنطقة التي أعادت احتلالها في الآونة الأخيرة. وفي الفترة من 1976 إلى 2005، نشرت سوريا قوات في لبنان، وهي فكرة طرحت على دمشق العام الماضي.

يحدق زياد صعب (68 عاما) وهو يقرأ بصعوبة رسالة مكتوبة بخط اليد تلقاها عام 1981 من صديق له على خط المواجهة تسرد تفاصيل القصف الإسرائيلي على بعض القرى الجنوبية نفسها التي طالتها غارات إسرائيل مؤخرا. وقال صعب إن هذه الرسالة “يمكن أن تُكتب اليوم”.

قاتل صعب إلى جانب الحزب الشيوعي اللبناني في وقت الحرب الأهلية، ويرأس الآن منظمة “محاربون من أجل السلام” التي أسسها مقاتلون سابقون.

وقال صعب إن الانقسامات الداخلية التي أشعلت الحرب الأهلية في لبنان لم تحل قط محذرا اللبنانيين من الانقلاب على بعضهم.

وأضاف “هيدي الحرب ما انتقلت إلى محل آخر، ما انتقلت رغم الاتفاقات إللي حصلت من ضمنهم اتفاق الطائف. بس الحقيقة إنو ما انتقلت الحرب، بعدها الشعور إنو ما زالت قائمة. هيدا شعور موجود، سببو لأنو ما صار في حل حقيقي، ما صار في مصالحة حقيقية”.

وقال صعب لرويترز في منزله في بيروت “عملنا نداء جديد اللي نقول فيه كمان للسلطات السياسية المختلفة، وللشباب اللي كنا بعمرهن، نحنا وقت اللي حملنا السلاح أول مرة إنه ما تكرروا تجربتنا، لأنه رح تتفاجئوا لوين رح تاخذكن، الحرب رح تاخذكن، بعكس تمام ما بتعتقدوا إنه أنتم رايحين إلها. يعني إذا كنتم معتقدين إنه هيدي رح يصير بلد أحسن، نحنا طحبشناه (مزقنا) للبلد، نحنا خزقناه للبلد، كل واحد شد لحاف إلى ميلته، خزقنا لحاف وراح الغطا”.

وبالنسبة لصعب، فإن قصف الثامن من أبريل نيسان، عندما أسفرت ضربات إسرائيلية خاطفة في جميع أنحاء لبنان عن مقتل أكثر من 300 شخص “أعاد إلى الأذهان مشاهد الحرب الأهلية بأكملها في ثوان معدودة”.

* الصراعات الحديثة تدفع الانقسامات إلى السطح

تأسست جماعة حزب الله عام 1982 في ذروة الحرب الأهلية، وكانت الجماعة الوحيدة التي احتفظت بالسلاح بعد انتهاء الحرب. وفي أعقاب انسحاب إسرائيل في 2000، وسعت الجماعة ترسانتها وعززت نفوذها في الحكومة اللبنانية. واندلع اقتتال داخلي عامي 2008 و2021.

لكن بعد حرب 2024 مع إسرائيل التي أضعفت حزب الله بشدة، تعهدت حكومة لبنانية جديدة مدعومة من الولايات المتحدة بنزع سلاح الجماعة.

وبدأت القوات اللبنانية بمصادرة أسلحة حزب الله تدريجيا، خشية حدوث مواجهة إذا نزعت ترسانة الجماعة بالقوة.

وعندما أطلق حزب الله الصواريخ على إسرائيل في الثاني من مارس آذار دعما لإيران، حمله بعض اللبنانيين مسؤولية جر البلاد إلى صراع جديد. كما حمل البعض الآخر الشيعة ككل، الذين يشكون الحاضنة الشعبية لحزب الله، المسؤولية أيضا.

في الوقت نفسه، انتقد الشيعة، الذين تحملوا وطأة الحروب مع إسرائيل ويرون في حزب الله ملاذهم الوحيد، الدولة لتقصيرها في حمايتهم. وقال العديد من الشيعة الذين نزحوا جراء الغارات الإسرائيلية لرويترز إنهم يعتبرون كبار المسؤولين اللبنانيين “خونة”.

وقال المصور اللبناني باتريك باز إن الانقسامات بين الشباب اللبناني تنذر بنشوب صراع داخلي جديد، مشير إلى مشاهد لرجال مسيحيين مسلحين، غاضبين من حزب الله بسبب الحرب، يطلقون النار في الهواء خلال جنازة سياسي مسيحي قتل في غارة إسرائيلية هذا الشهر.

ولجأ باز، الذي تعلم التصوير مع اندلاع الحرب الأهلية وقضى سنوات في توثيق ويلاتها، إلى الاستدلال بالجامعات، مشيرا إلى أنها غالبا ما تمثل نموذجا مصغرا للتوترات السياسية الأوسع.

وقال “أنا متأكد من أنك إذا ذهبت إلى الجامعات اليوم وطلبت منهم حمل الأسلحة وإطلاق النار على خصومهم السياسيين أو أي شخص لا يعجبهم، فسوف يفعلون ذلك”.

* اتفاق وقف إطلاق النار “وصفة للمواجهة”

جاء الإعلان عن وقف مؤقت لإطلاق النار الأسبوع الماضي ليمنح فرصة لالتقاط الأنفاس بعد أكثر من خمسة أسابيع من الغارات الإسرائيلية التي أودت بحياة ما يقرب من 2300.

لكن الاتفاق يترك قضايا جوهرية دون حل. فهو لا يلزم القوات الإسرائيلية بالانسحاب من لبنان، ولا يطالب صراحة بنزع سلاح حزب الله. كما أنه يمهد الطريق أمام بيروت لإجراء محادثات سلام مع إسرائيل، وهو ما يلقى معارضة شديدة من بعض اللبنانيين من مختلف الطوائف.

ووصف دبلوماسي يعمل في لبنان نص الاتفاق بأنه “وصفة مفصلة للمواجهة الداخلية”.

قال رفيق بازرجي، الذي كان قياديا في جماعة مسيحية لبنانية مسلحة خلال الحرب الأهلية، إن الاتفاقات التي تفتقر إلى “أساس جيد” محكوم عليها بالفشل، مستشهدا باتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية ولكنه لم ينفذ بالكامل، وخطة الحكومة غير المكتملة لنزع سلاح حزب الله.

يمتلك بازرجي الآن فندقا صغيرا في الجبال جنوب شرقي بيروت ويرأس رابطة اللاتين في لبنان، التي تمثل المسيحيين اللاتين، وهي إحدى الطوائف الدينية العديدة في البلاد.

وقام بتعليم ابنيه البالغين إطلاق النار معتبرا أن هناك جيلا شابا قد يكون مستعدا لحمل السلاح.

وقال لرويترز “نحنا كنا بأيامنا متعصبين وكنا متحمسين تنحارب، عم شوف اليوم جيل جديد بيخوف، يعني نحنا ولاد بالنسبة إلن.. بتطلع فيهن، بلكي أطول منا وأعرض منا وأقوى منا، وفهمانين أكتر منا، ويفهموا المعلوماتية أكتر منا. ومستعدين هني كمان ما يتنازلوا عن هالبلد”.

وأضاف أن اللبنانيين يخشون من تكرار حرب 1975-1990، التي قتل فيها حوالي 150 ألف شخص، لكن الانقسامات بشأن حزب الله وإسرائيل وقضايا رئيسية أخرى قد تتحول إلى عنف.

وقال “بكل شغلة بالحياة في إلها مطرح… يعني بتوصل لمطرح بالآخر. بس إذا بدها توصل الموس لدقنا، كمان منا نحنا مكسر عصا (لن نستسلم للأمر الواقع